السبت، 24 مايو، 2014

مولد الفن: موريس بلانشو

ترجمة: محمد خليل فهمي

حقاً إن كل ما في كهف "لاسكو"(*) يملك علينا أنفسنا، ويوحي إلينا بالسحر والروعة: من الجمال المخبوء في طيات الظلام آلاف السنين، والظروف التي صانته، والمصادفة التي كشفت عنه، إلى ضخامة وبسطة في تلك الرسوم التي نراها هناك لا على صورة خطوط بدائية أو زخارف وجلة متردّدة، بل نراها أشبه شيء بكيان نابض بالحياة، يشعرنا بسيطرته الشاملة، حتى لكأنّ المكان أعد عن قصد، وهيء لإظهار وتبيان الإعجاز اللذين أتيحا لفن التصوير.
وما من شكّ أن هذه الرسوم قد فتنت بسحرها ألباب أولئك الذين رأوها لأوّل مرّة، وعقدت ألسنتهم الدهشة بمثل ما عقدت ألسنتنا. ولا غرو، فإن هذا المكان يشع فيه الفن كامل التكوين، وإن كان في مطالع إشعاعاته.
إن كهف "لاسكو" يكشف لنا عن نشأة الفن الحقيقية، فنتبين منها أن الفن إنما جاء منذ مولده يحمل في طياته إمكانيات التحوّل والتجدّد، ولكنه في ذاته كامل الحسن. ذلكم هو ما يشيع في نفوسنا الرضا والإعجاب؛ لأن الذي نريده للفن هو أن ينهض قائماً منذ نشأته، فلا يكون في كلّ مرّة يجيء فيها قوياً راسخاً إلاّ مظهراً من مظاهر تجدّده.
تلك هي الحقيقة وإن بدت ضرباً من الخيال؛ ذلك أنها توجّهنا وتحفّزنا إلى السعي وراء الجمال، وتظهرنا بطريقة ملموسة على الصراع الفريد الناشب بين الفن من ناحية، ونحن والزمن من ناحية أخرى. ولشدّ ما نعجب حين يبدو لنا فن "لاسكو" –أقدم الفنون قاطبة- كأنه وليد اليوم؛ ولشدّ ما تأخذنا الدهشة حينما نرى هذه الرسوم الآتية إلينا من عالم غريب لا تربطنا به أية آصرة، تحلّق بنا في جو من الألفة الوثيقة والاستجابة السريعة، بالرغم مما يباعد بيننا وبين عالمها من غموض.
وهذا العجب نستشعره في كلّ ما يصادفنا من آثار الأحقاب الخالية، أمّا آثار "لاسكو"، حيث يخامرنا شعور بأننا إزاء الزمن السحيق الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر، فعجبنا حيالها يزداد ويتضاعف؛ وهي، بعد، تؤكد إيماننا بالفن، بل بقدرته التي لا تضلّ الطريق إلى مشاعرنا أبداً، وإن خفى مغزاه أو استترت غايته.
ولقد كتب جورج باتاي (**) في بحث له بعنوان "فن التصوير في عصر ما قبل التاريخ –لاسكو أو مولد الفن"، فقال: «إذا نزلنا إلى كهف لاسكو، تملكنا شعور أخاذ آسر، شعور لا نحسّه عندما نقف أمام واجهات المتاحف، نتأمّل أقدم بقايا الإنسان المتحجّر، أو عُدَده المصنوعة من الحجر. إنه الإحساس بالكيان النابض نفسه، الكيان الجليّ المتوقد، الذي يخالجنا تجاه الآيات الفنية على مدى الحقب والدهور». فما مبعث شعورنا بهذا الكيان النابض بالحياة؟ ولماذا نعتني بهذه الرسوم؟ ألأنها رائعة فحسب؟ بل لاعتقادنا أنها أوّل ما حققه الإنسان من عمل فني، تنشقّ عنه الظلمات مكتملا. وكأنه الدليل على الإنسان الأوّل في ذلك الزمن السحيق، الدليل الذي طالما بحثنا عنه في لهفة يتعذّر تعليلها، وحماس لا يعرف الكلل. فلماذا هذه الرغبة الجامحة التي تدفع الإنسان إلى الكشف عن أصله الأول؟ بل لماذا يبدو كلّ ما يتعلّق بأصل الإنسان ومنشئه وكأنه محاط بغلالة من الأوهام قد تخفي وراءها حقيقة خاوية: حقيقة أوائل الأشياء؟ ثمّ لماذا يحملنا الفن على الظن بأنه قد يمثل هذا اللغز، بل يقطع هذا اللغز باليقين؟ ثمّ ما الذي يحدو جورج باتاي، حين يتحدث عن "معجزة لاسكو"، إلى ذكر "مولود الفن"؟
والحق أن كتاب جورج باتاي عن "لاسكو" الذي أصدره الناشر "سكيرا"، بلغ من الروعة حدّاً يحملنا على الاقتناع بما جاء فيه لا لوضوح عرضه وقوّة حجته فحسب، بل لأن عبارة باتاي الرصينة لا تنفكّ عن الاتصال بالصور التي نقلها الكتاب نقلا أميناً عن رسوم كهف "لاسكو".
ومن أعظم محاسن هذا المجلد القيّم، أنه يتجنب الإساءة إلى هذه الآثار، وإن كان ينتزعها من أعماق الأرض، فهو يجهد أن يجعلها تفصح عن نفسها، ذلك الإفصاح الذي يفوق دائماً في وضوحه وجلائه، كلّ ما قد تسوقه التفسيرات والتعليلات.
هذا، والرسوم التي يزخر بها كهف "لاسكو" تجمع بين الطابع الوقور، والطابع المتوثّب. وما تمثله من أشكال حيوانية نراه حيناً منتظماً منسقاً، وحيناً آخر متشابكاً، متداخلاً بعضه في بعض. ويهمّنا بلا ريب أن نعرف: هل كانت هنالك صلة بين هذه الأشكال وبين طقوس السحر؟ وهل كانت تلك الطقوس تعبّر عن علاقة خفية بين الإنسان القنّاص، وتلك الكائنات التي يعجّ بها عالم الحيوان؟ إنّها طقوس لا ندري عنها شيئاً؛ ومع ذلك، يحاول الإخصّائيون أن يتمثلوها في أذهانهم، مستعينين بما يعرفونه من الحضارات البدائية القائمة في وقتنا هذا، ببعض الأصقاع والجزر القصية.
وتمثلهم لها، وإن كان يكتنفه الغموض، إلاّ أن تأويلهم يستند إلى دراسة جدّية، فيطالعنا برؤى غامضة، قاتمة، معقدة، موغلة في القدم. وإذا صحّ ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون من أن عالم "لاسكو" كان عالماً تسود فيه همجية مظلمة، وطقوس غامضة، وعادات لا سبيل إلى الوقوف عليها، فإن رسوم "لاسكو"، على عكس ذلك، تبهرنا بمطابقتها للطبيعة، وتفاجئنا بمرحها الفياض، وصفائها المنير الوهاج. وإذا غضضنا الطرف عن مشهد مخبأ في بئر، وطرحنا جانباً رسماً مشوشاً يعرف "بالليكورن"(***)، تجلت لنا هذه الرسوم كلّها في صفاء وضاء يغرينا بالتجاوب معها في جذل نستشعره لأوّل وهلة دون أن يخالطه شيء سوى الدهشة التي تصاحب عادة الإعجاب بكلّ ما هو جميل رائع.
إنها صور جلية لا لبس فيها ولا غموض، صور ذات طابع رفيع، متقن، فياض، نستشف فيها أصالة متحرّرة، وفناً لاهياً طليقاً، لا يخفي شيئاً وراء ما يظهره، فنّاً يكاد يخلو من موضوع، يكشف عن خبيئته في صراحة جذلة غير هيابة؛ وهو، بعد، فن ربما كان أقلّ بدائية من الفن الإغريقي في أوله (أي الفن الأركائيك)؛ ولشدّ ما يختلف طابعه عن الطابع الملتوي، المثقل، الذي يجتذبنا في فنون القبائل البدائية المعاصرة.
والحقّ أنه لو قدر لفلاسفة القرن الثامن عشر أن ينزلوا إلى كهف "لاسكو"، لكانوا قد تعرّفوا لتوهم على الحياة الناعمة الساذجة التي كانوا يتخيلونها من خصائص المجتمعات في أول عهدها.
إننا نعرف ضآلة حظ هذه التخيّلات من الحقيقة، غير أن فن "لاسكو" –وإن لم يكن بالسذاجة التي توسمها هؤلاء المفكرون في فنون الأحقاب الخالية- يشهد بما يتّسم به فن تلك العصور من "بساطة" معجزة محيّرة، تحيّرنا بسهولة إدراكها، كأنّها قريبة منا، ومع ذلك فهي تستعصي على أفهامنا، وإن كانت أبعد ما يمكن عن فن الغموض والتعقيد.

*****

ذلك هو فن "لاسكو" يأتي إلينا عبر الأحقاب والعصور بيسر وضوحه، وإشراق بيانه، فيطالعنا بحيويته الفياضة التي تحرّك تلك القطعان من الحيوان، وتعيد إلى صورها حياته الموقوتة قوية متدفقة حتى ليخيل إلينا أننا بإزاء أصدق متعة للإنسان، متعة الفرح الذي يغمرنا ونحن نكشف عن روعة الفن.
وإزاء ما يفيض به الفن في "لاسكو" من بشر وإشراق؛ يتابع جورج باتاي رأياً طالما وجهه في بحوثه ودراساته، فيبين أن رسوم "لاسكو" ترتبط في الغالب بالإحساس الجيّاش، إحساس البهجة المتدفقة التي تغمر الإنسان عندما يوقف، إلى حين، عجلة الجهد والعمل، فيعود إلى منابع الفيض الطبيعي، أي إلى ما كان عليه حين لم يكن قد صار إنساناً بعد، فيحطّم الأغلال، وينتهك الحرمات. وبهذه الأغلال التي برزت في هذه المرحلة من تطور الإنسان ثمّ تحطيمها، والمحرمات التي بدت فيها ثمّ انتهاكها-يرتقي الإنسان عن حاله الأولى، ويستجمع قواه: تلك هي لحظة التجلّي والإرهاصات الفنية.
وكأننا بالإنسان وقد بلغ رشده على مرحلتين من مراحل الانتقال؛ فقد مضت ملايين السنين التي كانت تلك المخلوقات ذات الأسماء العسيرة النطق من أمثال "الأسترالوبيتيك" Australopithèque، و"التيلانتروب" Telanthrope، و"السينانتروب" Sinanthrope، تدبّ خلالها على الأرض متدرجة من الانتصاب على أقدامها، إلى استخدام العظام للقتال، ثمّ إلى تهشيم هذه العظام لاستخدام "شطفها"، قبل أن تفطن إلى تحطيم الحجارة، وتسوية شطفها عُدداً وأسلحة. وكانت بذلك تنحرف عن طبيعتها انحرافاً خطيراً، حتى وصلت إلى إدراك معنى الدمار والموت، فتعلّمت كيف تسخّرهما وفقاً لغاياتها ومصالحها؛ وتمّ ذلك خلال الأزمنة الأزلية السحيقة التي ارتقى فيها الإنسان البدائي Le pré-homme إلى مرتبة "المخلوق الكادح" قبل أن يصير إنساناً.
وليس في مقدورنا بطبيعة الحال أن نتمثل "الشعور" الذي خالج ذلك المخلوق البدائي عندما أتاحت له مخترعاته الأولى أن ينسلخ عن مجموع الكائنات، ويقف منها على حدة. وإننا لنعزو إليه، في حدسنا، شعوراً خفيا بالزهو والجبروت والقسوة؛ وربما كان لحدسنا نصيب من الصحة إلى حدّ ما؛ غير أن دلائل كلها تشير إلى أن الإنسان كانت تراوده في بداية سيره نحو الإنسانية، ذكريات مملوءة بالقلق والرعب، فما من ظاهرة إلاّ تحملنا على الاعتقاد بأن الإنسان –مع ما واتته به مخترعاته الأولى من أسباب القوة والسطوة- ما برح يستشعر في دخيلته أشدّ الضعف: إمّا لأنه يلمس ذلك القصور الجوهري الذي به وحده تمّ له أن يصير مخلوقاً مغايراً للمخلوقات كافة؛ وإمّا بتبدّله إلى مخلوق مغاير، يستشعر الإثم في كلّ ما ساقه إلى التنكّر لما نسميه الطبيعة.
وقد يكون المصدر الحقيقي للهوّة التي انشقت بين الإنسان و"المجتمع الطبيعي"، هو ما أتيح له من الكشف عن سرّ الدمار والموت؛ بيد أنه تعلّم كيف يتخذ من هذه الشقّة عوناً له في صراعه مع الطبيعة، وإن لقى في سبيل ذلك عنتاً شديداً، وجنح أحياناً كثيرة إلى الانتكاس أو العودة إلى طبيعته البدائية؛ فإنه عمد إلى أسباب ضعفه فجرّبها وتعمّق البحث في جذورها، ليزيد في قوّته، ويوطّد من قدرته. وربما كانت المحرمات (التابو) –المحرمات الجنسية ومحرمات الموت والقتل- التي يفرض جورج باتاي أنها ضربت، منذ الأزل نطاقاً حول الإمكانيات البشريّة –بمثابة سدود أقيمت لتحول بين المخلوق المنطلق، المبتعد عن طبيعته، ونكوصه على أعقابه، أو بمثابة حواجز فرضت لترغم الإنسان على المضي قدماً في ذلك الطريق الوعر، المحفوف بالشكوك والمخاطر والذي لا مندوحة له من المضي فيه ليظلّ إنساناً؛ ولتحمي جميع أنواع نشاطه الشاقة التي تتنافى وطبيعته الأولى، ذلك النشاط الذي تبلور في مجال العمل بفضله.
وهكذا ينتهي بنا المطاف إلى ذلك الإنسان القديم، "إنسان وادي النياندر" homme de Neandertal الذي لم ننحدر عنه مباشرة، والذي انقرض نسله وباد. ونحن اليوم ننظر إليه نظرة مجرّدة من العطف، مع أنه كان "عاملا" مجدّاً، وماهراً في استخدام عدد الصناعة وآلات الحرب.
وقد عرف ذلك الإنسان البدائي الموت وخشيه، وأغلب الظن أنه أحاط نفسه تبعاً لذلك بسياج من المحرمات، الأمر الذي مهد له السبيل ليتحكم في مصيره نحو الإنسانية، وإن لم تتح له ممارسة هذا التحكم إلى النهاية. ترى ما الذي كان ينقصه ليمضي قدماً في طريق التطور والارتقاء؟ ربما لم تكن تعوزه سوى قوّة الاستخفاف والتحدّي والعزم الملهم، تلك الصفات التي تدفعه إلى "انتهاك" المحرمات، بذلك "الانتهاك" وحده، أرسى الإنسان البدائي قواعد إنسانية.
هذا، ولو أتيح لنا أن نسترسل في التقدير والتخمين وراء الرؤى والنظريات التي يطالعنا بها العلماء بين الفينة والفينة، لكان في وسعنا أن نقول: إن هذه الحقبة الحافلة بالأحداث الخارقة والتغييرات الجوهرية، قد شهدت طفرتين، أو مرحلتين حاسمتين من مراحل تجاوز أو "انتهاك" الحواجز الطبيعية: في الأولى ينتهك الإنسان البدائي حرمة الأوليات الطبيعية، فيتمرّد على نفسه، أو بعبارة أدق، على الطبيعة الكامنة في نفسه، فيستحيل إلى حيوان قد راض نفسه بنفسه، ثمّ بدأ العمل، وبذلك تبدل الإنسان إلى مخلوق مناف للطبيعة، مناف لها بالقدر الذي ينتفي معه وقوع المحرمات التي تحدّ مما هو عليه لصالح ما عسى أن يصير إليه.
ويبدو أن هذا التطوّر، أو "الانتهاك" الحاسم الذي أدى إلى انسلاخ الإنسان عن عالم الحيوان، لم يكن وحده كافياً لإيجاد إنسان مكتمل على شاكلتنا. ومن ثمّ كان لابدّ من تجاوز هذا الحدّ الذي وصل إليه الإنسان في تطوره، بالإقدام على "الانتهاك" أو التجاوز الأخير، وهو ذلك "الانتهاك" الموجّه، الذي يعرف غايته ويعمل على تحقيقها في عزم وإصرار؛ إذ مكن الإنسان من "انتهاك" المحرمات خلال "لحظة موقوتة"، وحمله على أن يعيد النظر في انحرافه الذي باعد بينه وبين أصله الأوّل، ولكأنه، بمعنى آخر، أتاح للإنسان أن ينكص على عقبيه في الطريق الذي قطعه منذ البداية، لينقب في غياهبه، ويكشف عن مجاهله، ويختبر دروبه ومسالكه؛ ومن ثمّ يتاح للإنسان أن يعود فيتصل بحقائق العصور الأولى، وأولها حقيقة العالم الحيواني؛ وفي ذلك عود إلى الأزل السحيق؛ ولكنه عود مخلوق تطور وعرف، ولا يمكن له –حتى لو خيّل إليه أنه يستطيع- أن يمحي الأثر الذي تركه في نفسه مليونان من السنين قضاها في الضبط، والترويض، والتزام جانب الضعف، حتى تحوّل إلى ريشة في مهب الريح، ولكنها ريشة تفكّر(****)
ويقول جورج باتاي: «إن الإنسان يتطوّر وفي نفسه ما يشبه اليقين بأن انتهاك الحدود الطبيعية لم يبدأ بالمعنى الصحيح إلاّ في اللحظة التي ظهر فيها الفن أوّل ما ظهر، وبأنّ مولد الفن، في "عصر الرنّة َAge du Renne"، تعلنه فرحة صاخبة، وتجليه تلك الرسوم النابضة بحياة لا تنفكّ في تجدد مستمر، تجري فصولها فيما بين المهد واللحد». ولا يسعنا إلاّ أن نسلم بما بلغه جورج باتاي في هذا الخاطر من أصالة رأي وقوّة بيان؛ فالإنسان، في رأيه، لم يصبح إنساناً بفضل ما له من صفات إنسانية خاصة تميّزه من بقية الكائنات، وإنّما عندما يلمس في نفسه تمكناً من هذه الفروق يكفي لأن يخوّله سلطة غامضة تجعله يبدو كمن يحطّم هذه الفروق؛ وكذلك يكفي لأن يمجّد نفسه، لا فيما حققه من مكاسب خارقة، وإنما في تخليه عن هذه المكاسب وتناسيها، وللأسف! في نبذها –بل- والحق يقال أيضاً –في تجاوزها، وتحقيق ما يبذها ويفوقها.

*****

وكأنما يتيح لنا الفن الوقوف على بداية ميلادنا الحقيقية الوحيدة؛ وهي بداية قريبة نوعاً ما، تمعن رسوم "لاسكو" في تقريبها إلينا بفضل الإحساس بالصلة والقرب الذي تستهوينا به. ولكن، أيكون هذا الإحساس حقا إحساساً بالصلة والقرب؟ إنه بالأحرى إحساس بكيان نابض بالحياة، أو بعبارة أدق، إحساس بالظهور والتجلي. وربما كان لزاماً علينا، قبل أن تدرج هذه الآثار الفنية في تاريخ الرسم والتصوير أن نبين الخاصية التي تميزها من غيرها: إنها ذلك التأثير، الذي يجعلها تبدو كأنها ما وجدت إلا لتبقى بقاء موقوتاً، فقد خطتها لحظة من الزمن، وخطت هي من أجل هذه اللحظة. وهي ليست صور الليل والظلام، وإنما جلاها سرّ الظلام الذي انجاب عنها لتوّه وساعته، حتى ليكاد الناظر إليها يتبينها الآن، والآن فقط؛ كأنها كيان لا بقاء له، أو كأنها تلك الكلمات التي ظهرت مضيئة على الحائط، تنذر بختنصر بزوال ملكه: "ماني، تيكل، فارس" أخرى، ولكنها فرحة مبهجة هذه المرّة تخبرنا في اللحظة العابرة عن ماهية الفن، ثمّ إذا هي تتلاشى وتغيب.
ما أغربه من إحساس قوامه الشكّ واليقين، يتألق عند أقصى ما تستطيع أن تتبينه مداركنا أو تعيه أفهامنا، في حين أنه أثبت وجوداً من كلّ ما هو مرئي أو منظور. ويخيل إليّ أن هذا هو ما نحسّ به لمرأى آثار "لاسكو"، فنحن نعلم أننا بإزاء مشرق الفن؛ وهذه القدرة هي التي تجتذبنا وتملك علينا أنفسنا، كما لو كان الفن يتألّق لأوّل مرّة في وهج المشاعل، فيبزغ فجأة قويّاً راسخاً، وقد أوتى من قوّة الوضوح وقوة البيان ما لا يدع مجالا للشك أو موضعاً للنقد، هذا على حين أننا نعلم أو بالأحرى، نحسّ في قرارة نفوسنا أن هذا الفن الذي ننظر إليه هنا على أنه فن مبتدئ، قد مضى على بدايته أمد طويل. إن فن "لاسكو" فريد، وحيد في نوعه، ولكنه ليس الأوحد؛ وهو الفن "السابق" ولكنه ليس الأسبق. فمنذ آلاف السنين والإنسان يزاول النحت، والحفر، والرسم، ويخضب الجدران بالألوان، ويمارس التصوير، فيمثل أحياناً وجوهاً بشرية، كما بينه ذلك الرسم الذي تمّ اكتشافه في "باسّا مبوى"، والذي يبعث على العجب والدهشة في نفوسنا، لأنه يكشف عن اتجاه الفن، منذ ذلك الزمن السحيق، إلى إبراز ما في المرأة من جمال، وما في الأنوثة من سحر.
والحقّ أنه قد أتيح لنا أن نطّلع على الخطوات الأولى التي خطاها النشاط الفني خير اطلاع؛ فتارة نرى الدب يخط أول خطوط الفن عندما يجري بمخالبه على الجدران تاركاً فيها آثاراً عميقة ينظر إليها الإنسان الأول (وكان الدب له أليفاً) في عجب مقترن برغبة ملحّة تدفعه إلى أن يبرز ما يتراءى له في ثناياها من معان خفية؛ وتارة أخرى نرى الإنسان ينظر –كما كان يفعل ليوناردو دافينشي- إلى الأحجار والجدران، فيتبين عليها بقعاً أشبه ما تكون بصور يكفي أن تحوّر تحويراً طفيفاً لإبراز معالمها وتجليتها(*****)؛ ونراه حيناً يمرّ بأنامله المتسخة على الصخور، أو على جسده، فيثير عجبه الآثار التي تتركها عليه، وكأننا بالطين وقد بدأ يتلون لوناً؛ وحيناً آخر نرى ذلك الإنسان نفسه الذي يكسّر العظام آناً ويحطم الأحجار ليتخذ منها سلاحاً-يحطمها آناً آخر ليبهج نفسه، فيعمد إلى تهذيب "شطفها" وصقلها دون فائدة عملية ترجى من ذلك، وإن كان يخيل إليه أنه يزيد من كفايتها وجودتها بما يجريه عليها من نقوش تروقه ويسر بمرآها. هذا، ولدينا على ذلك الحجج والأدلة، أو على الأرجح بقايا وآثار تصلح لأن تتخذ حججاً وأدلّة. ولقد حدث ذلك كلّه قبل أن توجد "لاسكو" التي يرجع تاريخها إلى ثلاثين ألف سنة على أقصى تقدير، إو إلى خمسة عشر ألف سنة على أقرب تقدير؛ وهو تاريخ قريب منّا جداً بالنسبة إلى ما قبل التاريخ (لكأني برسوم "لاسكو" بنت اليوم!). ثمّ إن فن "لاسكو" نفسه يثبت بما أوتى من قدرة فنية مركبة شاملة مكتملة، أن هنالك قروناً طويلة من الرسم والتصوير قد سبقت ظهوره؛ فهذه الآثار المنبسطة أمام أنظارنا لم تكتمل، ولم تخرج بهذه الصورة التي هي عليها من الاتقان والإحكام، إلاّ بعد أن صقلتها التقاليد والنماذج والأحكام الفنية المتوارثة، فتجلت في أبهاء هذا الكهف الفسيح المخصّص للفن، الذي أطلق عليه الكاتب "أندريه مالرو" اسم "المتحف".
ولا نغالي إذا قلنا: إنه كانت هناك، في تلك الأزمنة السحيقة، مراسم (أتيلييهات)، وربما قامت حولها تجارة في الفن؛ فقد وجد في مرتفعات "ألتاميرا" بإسبانيا ما يدلّ على ذلك، فالثور الوحشي (البيزون) الذي نرى رسمه مصغراً على صخرة، نجد له شبيهاً مكبراً على بعد ثلاثمائة كيلومتر في "فون دي جوم" (بمقاطعة دوردوني بفرنسا) يمتاز بقوّة آسرة وتأثير أخاذ، يحاكي الرسم الأول أشدّ المحاكاة، ويطابقه مطابقة محكمة دقيقة تثير الحيرة والتساؤل؛ وكأن هنالك فناناً جوالا يضرب في الأرض حاملا أداته الحجرية الدقيقة، مستجيباً لرغبات الطالبين بحسب الظروف والملابسات ومؤدياً لرسالة الفن المقدسة، يزين الأمكنة المختارة، ويملأها بالتعاويذ ويجري طقوسه الغامضة- بصور وأشكال استهوت عقول الناس آنذاك بمثل ما تستهوي به عقولنا حتى يومنا هذا.
ولذلك يصحّ أن نقول: إن ما نعتبره في "لاسكو" بداية، ليس في الواقع إلا نهاية لفن تبددت نشأته في ثنايا الزمن، واختفت وراء ستار كثيف من الغموض والإبهام. فهنالك حقبة لا يظهر فيها شيء، ثمّ حقبة تتوالى فيها الدلائل وتتكاثر البشائر. فيبدو أن الإنسان "النياندرى" القديم لم تكن لديه –كما يقرر ويؤكد جورج باتاي- فكرة ما عن النشاط الفني، وفي هذا ما يثير الحيرة؛ إذ أن ذلك معناه أن الحقبة التي تمّ فيها اكتشاف ما نسميه الصنعة- أي تكييف الخامات والأشياء وتحويلها إلى عدد وآلات وأسلحة- لم تقترن لزاماً ببزوغ الفن في نفس الإنسان. وقد توجد سلالات لا تقلّ عن الإنسان "النياندرى" في القدم –ربما نكون نحن قد انحدرنا عنها- كان الإنسان فيها "صانعاً" و"فناناً" في الوقت نفسه. وهذا الاحتمال ليس ببعيد وكل ما يترتب على صحته أن البداية أبعد ممّا نقدر ونتصور. بيد أن ذلك لا يمنع من أن تظلّ للإنسان "النياندرى" دلالة بالغة الأهمية؛ ذلك أن مهارته في استعمال العدد والآلات، وتوسعه في صنع الأشياء والحاجيات، لم تيسر له بلوغ ذلك النشاط الأكثر تحرّراً والذي يتطلب التحرّر المطلق، ويستلزم تلك القوة الخفية التي تبعث فيه العزم نحو تحطيم الأغلال وتكسير القيود، وهو النشاط الذي يبدع الفن.

*****

هذا، وحرى بنا ألا نغفل ما قاله الأب تييار دى شاردان (******) في جرأة وسذاجة، حين أشار إلى أن معرفة البدايات تخفي علينا دائماً، وأنه: «إذا استحال علينا الوقوف على سرّ بداية البدايات، فمرجع ذلك إلى أن الزمن يميل إلى ابتلاع وإخفاء معالم الأجزاء الضئيلة الواهنة، والجوانب الأقل ضخامة وبروزاً، التي تحتوي على أدلّة التطور والتقدم. وسواء كان الأمر متعلقاً بفرد، أو بجماعة أو بمدينة ما، فإن الأجنة لا تترك آثاراً ولا حفريات». ومن ثم، فلا مناص من أن تكون هنالك ثغرة أو حلقة مفقودة على الدوام، كأنما المنشأ أو الأصل لا يكشف ولا يتحدث عن نفسه أبداً فيما ينحدر عن هذا الأصل نفسه، وإنما هو يختفي ويستتر دائماً وراء ما ينحدر وينتج عنه، وغالباً ما يتعرض الأصل للفناء، ويقضى عليه بوصفه أصلا. ويضيف الأب تييار دى شاردان إلى ذلك قوله: «إن مرحلة التبدّل أو الانتقال إلى الطور الآدمي ستظلّ أبداً خافية تتحدى لهفتنا وتعطشنا إلى معرفتها». وربما لم يكن مردّ استحالة الوقوف على ملابسات هذا الانتقال أنه مفقود أو ضائع، وإنما لأنّه هو عين ذلك الضياع والنقص، ذلك لأن التبدّل والانتقال لم يقدّر لهما أن يتحققا إلا بعد أن صارا أمراً واقعياً، وكذلك بقدرة هذا الانتقال على أن يطرح ما كان قد خلّفه وراءه لتوّه وساعته، بعيداً عنه.
وهذا السراب، إن كان سراباً حقاً، هو حقيقة الفن، ومعناه، فالفن يرتبط بأصلنا الأول ارتباطاً وثيقاً فهو يكشف، ويوطّد، ويخرج إلى حيز الوجود كلّ ما "يسبق" في الأصل، أي كلّ ما هو موجود دون أن يكون لوجوده قيام بعد؛ وهو، أي الفن، يتقدّم في الوقت نفسه كلّ ما سبق له وجود، وكأنه الوعد الذي يبر به سلفاً.
فليس ثمّة على وجه الإطلاق ما يثبت أن الفن بدأ في الوقت الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر؛ بل، بالأحرى، نرى دلائل كلها تشير إلى عملية تمهيد وتوطئة ذات مغزى سبق بها الزمن. بيد أن أولى مراحل الفن الهامة توحي بأن الإنسان لم يصل إلى بدايته بعينها، ولم يتأت له أن يؤكد أولية وجوده نفسه، أي التعبير عن جدته وحداثة انبثاقه –إلاّ عندما استطاع، بفضل الفن، وعن طريقه، أن يبلغ من القوة، والإشراق، والسعادة بالسيطرة التي تتيحها له قدرة هي بذاتها القدرة على البدء. فالفن في "لاسكو" ليس بمبتدئ، والإنسان كذلك، ليس بمبتدئ أيضاً. غير أن كهف "لاسكو" المترامي الأطراف، ذا المسالك الضيقة الزاخرة بالرسوم والأشكال الحيوانية، الكهف الذي يبدو أنه لم يعدّ أبداً لإقامة الإنسان أو سكناه –يغلب على الظن أنه المكان الذي بلغ فيه أول ما بلغ ذروة السمو وقمة الكمال في "البداية"، وفتح للإنسان وجوداً استثنائياً أو آفاقاً جديدة تقوم إلى جانبه، وإلى جانب الروعة التي كان لا مناص له من أن يختفي وراءها، ويتوارى خلفها ليكشف عن ذاته؛ هذه الروعة التي تتجلى في عظمة الثيران الضخمة، وثورة البقر الوحشي "البيزون" المكفهر الغاضب، وظرف الجياد الصغيرة الجميلة، ورشاقة الوعول الحالمة، وحتى في الرسوم المضحكة للأبقار البدنية التي تقفز وتتواثب. أمّا الإنسان فلم يرمز إليه إلا بخطوط سريعة مقتضبة، في المنظر المرسوم في أعماق البئر؛ وهذا الإنسان يبدو راقداً بين ثور وحشي يهاجمه، وكركدن يستبدره. أهو ميت، أو نائم؟ أهو "يعزم" وينفث سحراً؟ هل يعود مرّة أخرى إلى الحياة؟ هذه الأسئلة أثارها ذلك الرسم "الكروكي" الوجيز، وشغلت أذهان العلماء في غير طائل، وتحدث حصافة الباحثين من غير جدوى.
ومما يسترعي الاهتمام والملاحظة، أن تمثيل الإنسان في ذلك العمل الفني الذي نراه، فيما عدا ذلك، واضحاً لا لبس فيه –استتبع دخول عنصر من عناصر الإبهام والغموض، وإدماج مشهد أشبه ما يكون بقصة، أو بسرد روائي بدائي غير مهذّب، لواقعة من الوقائع، غير أنه يخيل إليّ أن مغزى هذا الرسم الغامض واضح كلّ الوضوح: إنه أوّل توقيع على أول لوحة، إنه الطابع أو "الفرمة" التي خطها صاحبها في ركن قصيّ، أو هو الأثر الواجف، الوجل، أو الأثر الباقي الذي لا يمّحى، الدال على الإنسان الذي يتجلى لأوّل مرة في عمله الفني، ويستشعر، في الوقت نفسه، الخطر البالغ الذي يتهدده من جراء هذا التجلي الذي يقتلعه، ويقصيه نهائيّاً عن الحيوانية.

عن "المجلة الجديدة الفرنسية" (La Nouvelle Revue Française) عدد نوفمبر 1955

(*) تمّ اكتشاف كهف "لاسكو" Lascaux عام 1940 بالقرب من بلدة "مونتينياك" بمقاطعة "دوردوني" جنوب غربي فرنسا. وقد وجدت على جدرانه رسوم تمثل حيوانات ما زالت ألوانها محتفظة برونقها وبهائها؛ ويرجع تاريخ هذه الآثار إلى العصر الحجري.
(**) Georges Bataille : La peinture préhistorique : Lascaux ou la naissance de l’art (Edition : Skira)
(***) الليكورن Licorne: حيوان خرافي يمثل بجواد له قرن واحد وسط جبهته. ولقد استمرت أسطورته يتناقلها الإغريق ثم الرومان حتى بلغت العصور الوسطى، كما أنها قد عرفت عند العرب. وهو غير "وحيد القرن" أي الكركدن أو الكركند، وهذا حيوان، بعينه يعرف في مصر باسم "الخرتيت"
(****) يشير الكاتب هنا إلى رأي فلسفي لباسكال: "L’homme est un roseau pensant" ونقترح التصرف بترجمتها إلى "الإنسان ريشة تفكر". (المترجم)
(*****) من عجب أن تكون هذه الفكرة بالذات موضوع مقال "رأس ثور" المنشور في العدد الماضي من المجلة !

(******) الأب اليسوعي "تييار دي شاردان" Teilhard de Chardin مؤلف كتاب: "ظاهرة الإنسان" Le Phénomène humain الذي أثار نشره، بعد وفاته، ضجة في الأوساط الكنسية (المترجم)

المرجع: موريس بلانشو، مولد الفن، ترجمة محمد خليل فهمي، مجلة المجلة (المصرية)، العدد رقم 13، 01 يناير 1958، ص 51-60.

ملحق: جولة افتراضية في مغارة "لاسكو"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق