الجمعة، 30 مايو 2014

المدرسة الانتروبولوجية الفرنسية؛ مرسيل موس نموذجاً: عبدالله عبدالرحمن يتيم

مرسيل موس
تقديم
من الصعب إنكار حقيقة أن عمل مارسيل موس «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة» يعد من بين أكثر أعماله انتشاراً خارج فرنسا(1)، وقد يكون  العمل الأنثروبولوجي الأبرز الذي ترك تأثيراً واسعاً في العالم الأنجلوساكسوني، حيث تم الاستفادة القصوى من كل الدلالات والمضامين التي احتواها(2). كما أنه وعلى الرغم من أن أهمية دراساته الأخرى كتلك التي عن السحر، والأضحية، وربما أكثر أيضاً عن التصنيف البدائي، إلاّ أن من الصعب التعرّف على تأثيره في هذه الحقول، وذلك بسبب ولوج دراساته في التراث النظري العام الذي عادة ما كان يقوم بتوظيفه زملاؤه ومريدوه، إلاّ أنّنا لا يمكننا تجاهل تأثيره الهام على أنثروبولوجيين بارزين مثل: «رادكليف براون: 1881-1955» و«برنسلو مالينوفسكي: 1884-1942»، حيث كان لكل منهما طريقته الخاصة في تحوير رؤيته الدقيقة لـ «الدوركايمية»(3). لقد امتد تأثير موس ليشمل آخرين مثل: «إدوارد إيفانز بريتشارد: 1902-1973» و«ريموند فيرث: 1901-2002»، و «ملفيل جان هرسكوفيتز» و«لويد وارنر» و«روبرت ردفيلد: 1883-1958». بل امتد تأثيره بصورة عامة ليضم أنثروبولوجيين آخرين أسهموا في بروز أعمال متميزة، سواء في مدرسة أكسفورد مثل «إدوارد إيفانز بريتشارد»، أو في مدرسة ليدين مثل «فان أوزنبراين» و«جوسلين دويانغ»، ولكن الجوانب  الفنية في أعماله لا تزال تنتظر الفرصة الكبيرة لاكتشافها وتوظيفها.

موس ودوركايم، المُريد والشَيخ
ولد الأنثروبولوجي الفرنسي، مارسيل موس، في «إبينال» من إقليم اللورين بفرنسا عام 1872(4)، حيث أمضى طفولته في أسرة يهودية امتازت بترابطها وتدينها. غادر موس «فوساج» تاركاً وراءه أسرته اليهودية التي نشأ في أحضانها، متجهاً نحو «بوردو» في البداية ثم إلى باريس بعد ذلك. وكان خال موس الشخصية الفرنسية، عالم الاجتماع المعروف «أميل دوركايم: 1858-1917». درس في «بوردو» مع خاله «أميل دوركايم»، وفي باريس مع عالم الدراسات السنسكريتية «سيلفان ليفي». في الثامنة عشرة من عمره بدأ تمرّد موس ضد الالتزام الديني لأسرته، وهكذا ظلّ بعد ذلك بعيداً عن أي التزام ديني طوال حياته، درس موس  الفلسفة مع «دوركايم» في جامعة «بوردو»، حيث أخذ الأخير على عاتقه عناء تدريسه وإرشاده الأكاديمي، بل واختيار الموضوعات لمحاضراته التي تتناسب واهتمامات أبن أخته، مارسيل موس. وهنا أيضاً، في باريس، عمل عن قرب مع «دوركايم» في إصدار وتحرير «حولية علم الاجتماع». من الناحية العلمية، إذاً كان موس فيلسوفاً في الأساس، مثله في ذلك مثل بقية أتباع المدرسة «الدوركايمية»، وكانت رؤيته ومنظوره الفلسفي شبيهاً بذلك الخاص بـ «دوركايم»، الذي ظل معجباً ومتعلقاً به من الناحية الفكرية، أي أفكار الفيلسوف «عمناويل كانت»، التي قام «دوركايم» بتعريف موس بها. تأثر موس أيضاً بفلاسفة آخرين في «بوردو»، مثل الفيلسوف العقلاني «هاملين»، و«إسبيناس» صاحب العقلية الإمبريقية. وكان الأخيران شديدي الاهتمام بموضوعات مثل الأصل المشترك للفنون، والعادات، والتكنولوجيا؛ وهي من الموضوعات التي سيتولى موس بعد ذلك الكتابة حولها. وكان المناخ الفلسفي آنذاك تهيمن عليه «الكانتية الجديدة». واستطاع موس خلال هذه الفترة الدراسية من حياته تحقيق تفوقه الأكاديمي وذلك بحصوله على المرتبة الثالثة عام 1895، وهكذا أخذ يكرس نفسه للبحث. بعد ذلك، درس موس تاريخ الدين في«المدرسة التطبيقية للدراسات العليا» مع  عدد من الأساتذة مثل: «لويس فينو» و«سيلفان ليفي» و«ميلي» وذلك في قسم تاريخ العلوم والفلسفة، مثلما درس أيضاً مع «الفريد فوشر»، و«إسرائيل ليفي» و«ليون مارلير» في قسم علوم الأديان. وكان كلّ من «ميلي» و«سيلفان ليفي» و«سيليتن بوغلي» من أكثر اصدقائه قرباً له في تلك السنوات.

الإثنوغرافيا والتصنيف
تمكن موس خلال إحدى عشرة سنة من حياته، 1847 - 1898، من القيام برحلات دراسية إلى «ليدين»  و«بريدا»، وأكسفورد، حيث عمل في الأخيرة مع «إدورارد تايلور»، لينتقل بعد ذلك لدراسة نصوص باللغة السنسكريتية وواحد من النصوص الهندية. انتقل  موس بعد ذلك ليعمل مساعداً لــ «ألفريد فوشر»، أي طوال الأعوام الثلاثة الممتدة من 1900 حتى 1902. وخلال هذه الأعوام قام بتدريس تاريخ الأديان وفلسفة ما قبل البوذية في الهند، كما أنه في عام 1901 خلف «ليون مارلير» في كرسي الأستاذية لتاريخ ديانات «الشعوب غير الحضارية»، وظلّ يحتل هذا المنصب الأكاديمي طوال حياته. وإلى جانب ذلك قام موس أيضاً بالتدريس في «الكوليج دو فرانس» وذلك طيلة السنوات الممتدة من 1930 وحتى 1939. مثلما قام أيضاً بالمساعدة في عام 1925 على تأسيس وكذلك المشاركة في ترأس وإدارة «معهد الإثنولوجيا» في جامعة باريس، وإستطاع هذا المعهد، خلال فترة ترأسه له، أن يعمل على رعاية ونشر دراسات إثنوغرافية في غاية الأهمية، حيث كان لها الدور البارز في تطور العمل الحقلي الإثنوغرافي الذي كان يقوم به آنذاك عدد من الأنثروبولوجيين الشباب. كما شهد هذا المعهد قيام موس بالقاء دروس ومحاضرات في الإثنوغرافيا حتى عام 1939. حث موس خلال هذه المحاضرات، التي نشرها بعد ذلك في كتابه المعروف «دليل الإثنوغرافيا»، طلابه على تحمل المشقة اللازمة لانجاز معلومات ميدانية دقيقة وكاملة، وبتطوير الاحساس بالمعلومات الحقلية والعلاقة  بينها(5)، هذا ورغم قيامه برحله قصيرة إلى المغرب، إلا أن موس لم يقم بأي عمل حقلي إثنوغرافي.
عمل موس بقرب شديد مع «دوركايم»، إذ بالإضافة إلى مؤلفهما الرئيسي المشترك «أنماط التصنيف البدائي»(6). دافع موس في هذه الدراسة عن رأيهما المشترك حول أن «التصنيف» للناس إلى وحدات في البناء الاجتماعي، مثل العشيرة، يؤدي غرضه من حيث كونه نظيراً للتصنيف في مجال الطبيعة. كما أن هذا الشكل من الفهم الايدولوجي قد تجّزأ عبر مسيرة تاريخ العالم(7). جمع له أيضاً قوائم وبيانات إحصائية حول الانتحار، عملا أيضاً على كتابة مراجعات مشتركة. وكان موس، بما امتاز به من تلمس كبير للوقائع الصلبة، قد تولى بصفة عامة إلقاء الضوء على تلك الحقائق، بينما تولى «دوركايم» بصفة عامة التوصل إلى التفسيرات النظرية. فمن الممكن إيعاز مفهوم «الحقائق الاجتماعية الكلية» إلى موس، وهو حسب مايراه «جورجس دافي» قد نتج عن تعاونهما معاً، أي موس و«دوركايم» في دراسة بعض الوثائق الإثنوغرافية العائدة لــ «فرانز بواز»، وبالتالي قام موس بتطبيقها، وقد نتج أيضاً عن وجود الطبيعة التعاونية لعمل فكري  بحثي كان يقوم به فريق من الباحثين اللامعين ممن جمعهم «دوركايم» حوله في مجلة «حولية علم الاجتماع»(8).

الإسهام الأنثروبولوجي
نشر موس خلال الفترة الممتدة من عام 1898 وحتى 1913 أهم دراساته، إذ نشر عام 1899 وبالاشتراك مع «هنري هوبير» «الأضحية: طبيعتها ووظيفتها»(9).  قام موس في هذه المقالة بشرح مواد فيلولوجية عديدة حول «الأضحية»، حيث نظر إليها من حيث كونها اتصالاً بين الإنسان والرب. ونشر بعد ذلك وفي عام 1901 «موجز لنظرية عامة عن السحر»، أما في عام 1908 فقد نشرا معاً  «مقدمة تحليلية لبعض المظاهر الدينية»(10). نشر أيضاً عام 1906 وبصورة مشتركة مع «هنري بوشا» دراسته المعروفة «التغيرات الموسمية في مجتمعات الإسكيمو: دراسة في المورفولوجيا الاجتماعية»، كما نشر أيضاً  عام 1901 مقالة مع «بول فوكونية» في «الموسوعة الكبرى» حول علم الاجتماع باسم «علم الاجتماع»(11).
تولى موس مسئولية كبيرة في تحرير مجلة «حولية علم الاجتماع» منذ بداية تأسيسها، كما أدار أيضاً القسم المتعلق بعلم الاجتماع  الديني، بينما قام «هنري هوبير» بالتعاون المشترك معه في إدارة أقسام عديدة بالمجلة، مسهماً في نشر دراسات ومراجعات كثيرة أضفت أهمية كبيرة على الحولية. إلا أن هذه التطورات والنشاط الحيوي لـ «أميل دوركايم» وموس والفريق المحيط بهما قد أصابه انتكاسة شديدة، تمثلت أولاً في اندلاع الحرب العالمية الأولى وما ترتب عنها من تشظى مجموعة «حولية علم الاجتماع»، والثانية التي تمثلت في الوفاة المبكرة لــ «دوركايم».  ورغم تلك الظروف العصيبة فإن موس لم يتخل عن تحمل تركة قيادة المجموعة المحيطة بـ «حولية علم الاجتماع»، بل قام بإنقاذها مرتين خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، كما عمل أيضاً على إعداد بعض أعمال «دوركايم» للنشر خاصة بعد وفاة الأخير، وكذلك أعمال «روبرت هيرتز» و «هنري هوبير» وآخرين بعد وفاتهم، وقد كان هذا الإسهام من جانبه قد أتى على حساب إنتاجه هو في مجال الكتابة والتأليف.
واصل موس كتاباته العلمية بعد الحرب العالمية الأولي، وبالإمكان تقسيم تلك الكتابات من الناحية العامة إلى مجوعتين، كانت المجموعة الأولى عبارة عن دراسات إثنولوجية اشتملت على دراسات مثل: «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة»، و«التأثير الجسدي لدى الإنسان لفكرة الموت في نظر التصور الجمعي للسكان الأصليين لأستراليا ونيوزيلندا»، و«تقنيات الجسد»، و«نماذج من التفكير البشري: مفهوم الفرد في مقابل مفهوم الأنا»(12). بينما احتوت المجموعة الثانية على دراسات حول العلوم الاجتماعية، واتسمت أيضاً بشخصيتها المنهجية والبراغماتية، وقد ضمت دراسات مثل: «العلاقة الواقعية والعملية بين علم النفس وعلم الاجتماع»، و«أصل وفروع علم الاجتماع»، و«مقتطف من خطة علم الاجتماع الوصفي والعام»(13). كما نشر موس أيضاً عدداً  آخر من الدراسات، أقل حجماً وفي موضوعات متنوعة، كان من بين تلك الدراسات ما تناول فيها موضوعات مثل: أصل مفهوم النقود، والنظام الميلانيزي المعروف بـ «البوتلاش»(14)، والتعاقد بين  قبائل «الثراشيان»، وعلاقات الممازحة والدعابة، و«أسطورة إبراهيم»، وأنماط الحضارة، والتضامن الاجتماعي في المجتمعات التعددية والانقسامية، وسوسيولوجيا البلشفية.

موس، المثقف العام
كان موس، من الناحية الأخرى، نشطاً في المجال  السياسي، إذ وقف، مثل«دوركايم»، إلى جانب «أميل زولا» و «ألفرد دريفوس»، كما كان عضواً بارزاً في الجماعة التي عُرفت بأسم «مجموعة دريفوس»(15)، وأبقى على إتصاله القوي بالزعماء الاشتراكيين، حيث ساعد عام 1904 بالوقوف إلى جانبهم في إصدار المجلة المعروفة «الإنسانية»(16)، بل وأسهم فيها بعددٍ من الكتابات. كما ساند عدداً من المرشحين الاشتراكيين خلال الانتخابات العامة في فرنسا، مثلما كان  أيضاً نشطاً في الجامعات الشعبية، والحركات التعاونية.  وتتضح رؤية موس التطورية والتعددية تلك، وكذلك الميزة من الليبرالية الاشتراكية، والشبيهة أيضاً بتلك العائدة لـ «جوريس»، في خاتمة كتابه «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة»(17)، حيث أكد على أن الخسارة هنا هي بالمستويين: الأول على مستوى نوعية العلاقات الإنسانية  التي كانت تتم خلال عملية تبادل الهدايا، إذ أصبح التبادل اقتصاديّاً بحتاً، والمستوى الثاني هو الحاجة إلى إعادة بناء حرية الالتزام بالكرم والمنفعة الشخصية في الهدية والإهداء(18).
عُرف موس أيضاً، وبصورة أساسية، بكونه إثنولوجيّاً ومؤرخاً للدين، ولكنه كان أيضاً في الحقيقة عالماً غزيراً في علمه ومعارفه، لذا فهو يُعد من بين آخر العقول الموسوعية. كان يمتلك مدى واسعاً من المعارف الإثنوغرافية واللسانية المتميزة، يقول عنه «لوسيان ليفي بروهل»، وهو أحد طلبته: «موس يعرف كل شيء»(19)، ووصف حواراته ومحاضرته بكونها مليئة بــ «أفكار جديدة ومفيدة، مكنت الآخرين من إعداد أطروحات وكتب من خلالها»(20). على أن هذه المسيرة المهنية لمارسيل موس قد تم الإجهاز عليها بشكل فض من قبل الاحتلال الألماني لفرنسا، حيث حُرِمَ  موس من أصدقائهِ وزملائهِ، بل وأثرت تلك الظروف في اتزانه العقلي، مما ترتب عنها عدم تمكنه من إنهاء مؤلفاته حول «النقود» و«الصلاة» و«الأمة»، بل تم إتلاف مخطوطات تلك الكتب، خاصة مخطوطة كتابه حول «الأمة»، وهكذا لم يستطيع إتمام تركيب الأجزاء العديدة والمتفرقة من أعماله الفكرية.

التصنيف الرمزي والبناء الاجتماعي
تستمد إسهامات موس النظرية بصورة رئيسية من تطبيقاته الصلبة واستنتاجاته لمفاهيم «دوركايم»، وبحسب رأيه «أن الأمر الهام ليس في تجميع حقائق كثيرة،  ولكن يجب أن تكون تلك الحقائق أصلية ومدروسة بشكل جيد».21 ويتضح هذا التصور من خلال المقالة التي كتبها بصورة مشتركة مع «بول فوكوني» والتي تحمل الشخصية «الدوركايمية»، حيث يؤكد من خلالها أهمية أن يقوم السوسيولوجي بربط «التصويرات الجمعية»، أي الأنماط الجمعية للتفكير والفعل، بصفات البناء الاجتماعي، أو إحداهما بالأخرى(22). لهذا يتضح لنا أن دراسته عن الإسكيمو « دراسة عن التغيرات الموسمية في مجتمعات الإسكيمو: دراسة في المورفولوجيا الاجتماعية» تسعى للكشف عن العلاقات القائمة بين العوامل المورفولوجية(23)، من ناحية، والأنساق القانونية والأخلاقية، والاقتصاد الأسري والحياة الدينية، من ناحية أخرى. لقد سعى موس في دراسته هذه لإيضاح «كيف أن الظروف المزدحمة التي يعيش فيها الإسكيمو خلال الشتاء، تعمل على خلق مجتمع حقيقي من الأفكار، وكذلك مشاعر دينية مشتركة ووحدة عقلية وأخلاقية»(24). عمل موس هنا على مقارنة كل ذلك مع التشرذم الاجتماعي، أي الحدود القصوى لتقوية الحالة الدينية والأخلاقية المرافقة للانقسام والتشرذم خلال موسم الصيف.
إن الأمر الملاحظ هو أن معالجة موس للعلاقة بين البيئة الطبيعية والبناء الاجتماعي وأنساق التفكير والمعتقدات لدى الإسكيمو، شبيهه بتلك التي عمل على جلائها «دوركايم» في دراسته حول «التصنيف البدائي»، وذلك ضمن سعيه للوقوف على أصل «التصنيفات»، مثل المكان، والزمن، والتراتبية، والرقم، والطبقة، الخ،وعلاقتها البناء الاجتماعي، وذلك من خلال إيضاح التشابه الشكلي بين التصنيفات الرمزية بين سكان أستراليا الأصليين، خاصة لدى جماعة «الزاني»، والصين التقليدية. ولعل كل ذلك يتضح بالشكل الذي أكد عليه كل من موس و«دوركايم»، على النحو التالي: سنجد أنه حتى الافكار الشديدة التجرد، مثل تلك الخاصة بــ «الزمن» و«المكان» تكون في كل فترة تاريخية معينة على صلة وطيدة بالتنظيم الاجتماعي المقابل لها(25). وعلى الرغم من أن هذه الإيضاحات للجوانب ذات التناظر الشكلي ذات أهمية نظرية ومحفزة للتفكير البحثي، إلا أن التساؤل حول السلسلة السببية الافتراضية، أي الدور السببي المعطى للتأثير، وكذلك  تميّز العمليات الفكرية عن مضمون الفكر نفسه سيظل قائماً(26). وتعد مثل هذه التصورات والمفاهيم والدراسات السوسيولوجية التي أنتجتها من بين الإسهامات التي فتحت السؤال حول «التصنيف»، وهي لا تزال ذات أهمية بالغة للوقوف على العلاقة بين التصنيف الرمزي والبناء الاجتماعي.
من الأمثلة الأخرى أيضاً على قيام موس بدراسة بعض المفاهيم والتصورات الفكرية التي صاغها «دوركايم»، دراسته لمفهوم «السحر» وتحليله بصفته ظاهرة اجتماعية حيث عرّفه بكونه: «كل طقس لا يشكل جزءاً من جماعة أو طائفة منظمة... وبكونه خاصاً وسرياً وغامضاً، ومستقراً في الهامش على نحو يبدو كما لو أنه طقس محرم»(27) أما فيما يتعلق بدراسته لـ «الأضحية»، يؤكد موس على أهمية النظر إليها «كوسيلة للتواصل بين عالمين، أي المقدس والدنيوي، وذلك من خلال واسطة الضحية، أي الشيء الذي يتم القضاء  عليه خلال الطقوس الاحتفالية»(28). كما عالج موس مفهوم «الذات» بصورة لا تتعدى إطار الخطوط العامة، إذ نظر إليها باعتبارها «حلقات من الأشكال التي يفترضها هذا المفهوم في حياة الناس في المجتمعات، وذلك حسب أنساقهم القانونية، ودياناتهم، وعاداتهم، وبناهم الاجتماعية، وأنماط تفكيرهم»(29).  تناول موس موضوعات أخرى مثل الظروف الاجتماعية المحددة لطقوس القراء، والرغبة في الموت، واستخدامات الجسد(30).

الهدية، التبادل، والأنساق الرمزية
في كل الأحوال، يعد عمل موس  «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة» من أكثر أعماله تميزاً وبروزاً(31)، وهو المثل الأوضح على كيفية دراسته لما أسماه بـ «الحقائق الاجتماعية الشاملة»، بل ومن حيث الاهتمام بظاهرة اجتماعية محددة، ولكن بمنظور مزدوج أي «بشموليتها ومجمل أنساقها»(32). المقصود هنا هو «التمثيلات»، أو أنساق التبادل، التي تبدو نظرياً أنها طوعية وغير ذات أهمية وربما تلقائية، ولكنها في الواقع ملزمة ومهمة، لقد ركز موس على قيامه بالدراسة المقارنة لأشكال التعاقد والتبادل في «بولينيزيا» و«الملانيزيا» وشمال غرب أمريكا، مع بعض الأدلة المكملة من الآداب الرومانية المبكرة والهندوسية والجرمانية.  وكانت أطروحته المركزية هنا هي دراسة الشكل القديم للتبادل، والتزاماته الثلاثة: «العطاء، والأخذ، وإعادة العطاء»، أي من حيث كونها صفات متوافرة تقريباً في كل المجتمعات، وهي بوصفها كذلك، يتم إعادة بعثها في مجتمعاتنا بهدف تقوية الروابط الاجتماعية والمحافـظة عليها، أي على التعاون والمنافسة والصراع. إن دراسة هذه الموضوعات بشكل تفصيلي وملموس وضمن إطار كليتها حسب المجتمع  الذي تم اختياره «سيجعلنا قادرين على النظر في جوهرها، وفي عملياتها، وحياتها، والعمل على الإمساك باللحظة الهائمة عندما يأخذ المجتمع وأعضاؤه أشياء عزيزة وعاطفية من أنفسهم ومن مواقفهم وذلك في مقابل أشياء أخرى»(33). تكشف لنا عملية تبادل  الهدايا، حسب موس، بوصفها أمراً دينيّاً وقانونيّاً، وأخلاقيّا،ً واقتصاديّاً، وجماليّاً، ومورفولوجيّاً، وأسطوريّاً من حيث الأهمية أيضاً. إن الالتزامات المتضمنة فيها يتم التعبير عنها رمزيّاً عبر الأسطورة والمخيال، بل وتأخذ شكل الاهتمام بالموضوع الذي يتم تبادله. ويؤكد موس أيضاً على أن الموضوعات المُتبادلة «لا يتم فصلها كلياً عن البشر الذين يقومون بتبادلها، إن المجتمع المشترك الذي يتأسس من حولها وكذلك الأحلاف التي يتم إنشاؤها متينة جدّاً لدرجة أنه يصعب حلها. إن التأثير الطويل الأمد للموضوعات التي يتم تبادلها، ماهو إلا تعبير مباشر عن الأسلوب الذي تحاول بمقتضاه الجماعات الفرعية في أنماط المجتمعات الإنقسامية القديمة تجنب الصراع المستمر، وبالتالي الشعور بحاجة بعضهم لبعض»(34).
عبر هذا العمل  الأنثروبولوجي البارز «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة»، سعى موس  إلى شرح كيف أن الهدية التي هي أمر اعتيادي في الحياة اليومية، بل وتلقائي، إلا أن الأفراد الذين يدخلون في تبادلها إنما يقومون بتقديمها واستلامها وفق شعور بالواجب والمسئولية. كما أظهر موس كيف أن تبادل الهدية قد مر بثلاث مراحل تطورية، حيث انتقل من نظام «لزوم رد الهدايا»(35) الشامل، وتبادل يربط عشيرة بأخرى مثل المجتمعات التي لديها نظام «البوتلاش» أو نظام آخر مشابه يكون فيه التبادل تعبيراً عن التنافس أو الصراع أحياناً. وقد انتقل هذا التطور بتبادل الهدايا إلى العالم المعاصر، حيث واصل الشكل القديم لنظام التبادل بقاءه، إلا أن السيادة أصبحت لأخلاق السوق، ويقترح موس علينا من خلال مؤلفه «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة»، أن يتم الحد من فردية السوق، وذلك من خلال التأكيد على الجانب الإنساني الذي يُعطي قيمة رفيعة للعطاء مقابل الاستهلاك. هكذا يتضح لنا أن عمل موس «الهدية: أشكال ووظائف التبادل في المجتمعات القديمة» عدا عن أهميته الإثنوغرافية الكبيرة، فهو يعد أيضاً أول دراسة منهجية ومقارنة لــ «تبادل الهدايا»، بل بصفته تحليلاً مطولاً يكشف بوضوح العلاقة بين أنماط التبادل والبناء الاجتماعي.

 المعيشي واليومي
ترك موس كثيراً من أبحاثه الأكاديمية في حالة من عدم الإنجاز، بما فيها أطروحة لنيل درجة الدكتوراه. وعلى الرغم من أنه عمل بنكران ذات كبير نحو إنجاز مؤلفات زملائه الذين توفوا، إلا أنه لم ينشر أى كتاب يخصه شخصيّاً، لقد نشرت محاضراته مثلاً في «معهد الإثنولوجيا» من قبل آخرين من زملائه بعد وفاته(36). مثلما نشرت كتاباته الأنثروبولوجية بعد جمعها من قبل زملائه بعد وفاته. وتقدر النصوص المترجمة إلى الإنجليزية من أعمال موس بحوالى نصف مجموع ما كتبه وتركه على هيئة مخطوطات ومقالات بالفرنسية(37).
من المؤكد أن موس لم يقم بأي عمل حقلي إثنوغرافي، كما أنه لم يتخصص في أي منطقة معينة، إلا أنه قام بنشر خمسمائة من المراجعات. ونظراً  لمقدرته الفائقة على تذكر واستعادة ما كان يقرأه، استطاع أن يراكم معرفه موسوعية واسعة وعميقة. كان يتنقل بسهوله ويسر بين اللغة العبرية القديمة، ولغات العالم الأوروبية ـ الهندي، مثل السانسكريتية، والإغريقية ـ الرومانية، والجرمانية، من جهة، والمواد الإثنوغرافية المعاصرة، خاصة تلك المتعلقة باستراليا، والباسفيك، والسكان الأصليين لأمريكا الشمالية، وكان في الغالب يقرأ تلك النصوص الإثنوغرافية بلغاتها الأصلية.
هذا وعلى الرغم من عدم اتفاقه أحياناً مع خاله «أميل دوركايم»، إلا أنه ظل دور كايمياً في صميمه. ذلك أنه مع تقديره لدور النمطية الإحصائية للسلوك المستندة على المقولات الأيدولوجية، إلا أنه كان أكثر اهتماماً بالتضامن الاجتماعي من الصراع، وبالتاريخ العالمي بتزامنية النسق والنظام، وكذلك بالفاعلية الجماعية أكثر من الفاعلية الفردية.  أما من الناحية النظرية المطلقة فكان كثير الاهتمام بــ «الحقائق الاجتماعية»، التي يجمع من خلالها المجتمع بمجمله ويتم تسخير كل نظمه بحيث يتم تصوير مختلف جوانبه، مثل الجوانب الثقافية، والاجتماعية، والقانونية، والاقتصادية، والجمالية، والدينية، وغيرها. يتضح لنا أن موس لم يعط التجريد النظري أهمية تذكر، بالمقارنة مع اهتمامه وتقديره للوقائع الاجتماعية الحية والمعاشة في الواقع اليومي.
في مقالاته المتأخرة واصل موس(38)، مقتفياً في ذلك أثر «دوركايم» في معالجة «الانتحار»، محاولاً التصدي لمسألة التأثيرات الفسيولوجية للنظرات الاجتماعية على قرار التخلي عن الحياة،  ومحاولته كذلك الكشف عن النمطية الثقافية في الأوضاع والحركات الجسدية. أما العمل الأهم الذي أنجزه موس في هذه المرحلة فهو معالجته لمقولة «الشخص»، وذلك باعتبار الشخص كينونة أخلاقية مستقلة. وتستند رؤية موس هنا على المبادئ والخلاصات العامة الواردة في «التصنيف البدائي»(39)، خاصة تلك المتعلقة بالمقولة الفكرية للطبقة، وللشخصانية  القبلية، ولعبادة أحد أسلاف العشيرة الأسطوريين، وما ترتب عن ذلك من تطور مفهوم الفرد باعتباره حاملاً لحقوق الإنسان العالمية(40). أما المقالات الأخرى لموس فقد اشتملت على معالجة  ريادية لموضوعات مثل: «السحر»، و«الصلاة»، و«العلاقة بين علم الاجتماع وعلم النفس»، و« علاقات الهزل»، و«الانقسامية القبلية».
بخلاف خاله، «دوركايم»، كان موس محباً للرفقة والأصدقاء وللفنون، والمشي في المناطق الجبلية، مثلما كان أيضاً نشطاً في أعمال اللجنة الاشتراكية، والصحافة، موجهاً آنذاك انتقاداته نحو الثورة البلشفية ومبادئها، مبدياً تأييده للحركة التعاونية السائدة خلال تلك الفترة.

الخلاصة
نستطيع القول إذاً وبصورة عامة، أن الإسهامات النظرية لموس تتجلى في قيامه بوضع علم الاجتماع الدوركايمي موضع التطبيق، وذلك من خلال التأكيد على أكثر معالمه  الرئيسية قبولاً، والمتمثلة في الصفات الروحية الكامنة للجماعة، وسيكولوجيا الجماعة، والتعرف على الجذور التاريخية والتحليل الميسر للظواهر الاجتماعية، كل ذلك بهدف إثبات القوة الكبيرة التي يتميز بها التأويل السوسيولوجي الدوركايمي لهذه الأمور. أما بالنسبة لتأثير موس فيعد من الأمور التي يصعب قياسها وذلك بسبب انغماسه العميق في أعمال مشتركة مع «دوركايم» وآخرين أيضاً. على أننا من الممكن أن نعد موس باعتباره  الخبير الإثنوغرافي الدوركايمي، حيث أن دوره كان مهمّاً للغاية في تطوير أطروحات «دوركايم» في سوسيولوجيا الدين والمعرفة، خصوصاً من خلال دراسات موس لموضوعات مثل: السحر والمورفولوجيا الاجتماعية(41). وبالإمكان إثبات تأثير موس في شخصيات أخرى من المدرسة الدوركايمية مثل «مارسيل غرانيه»، وفي أولئك أيضاً الذين أصبحوا تحت التأثير الجماعي للمدرسة أيضاً، شمل هذا التأثير مؤرخين من «مدرسة الحوليات التاريخية» مثل «لوسيان فيفر» و«مارك بلوخ»، وعلماء نفس مثل «شالرز بولنديل». على أن تأثير موس  المباشر كان على الأنثروبولوجيا الفرنسية، حيث امتد تأثيره ليشمل «ألفرد ميترو» و«موريس لينهارد» و«مارسيل غرويل» و«جورج دومزيل» و«روجيه باسستيد» و«لويس دومون». لكن سيظل تأثيره الأساسي هو ذلك الذي أحدثه في «كلود ليفي ستروس»، حيث كتب الأخير عنه مظهراً تأكيده على الاختلاف النظري لمارسيل موس عن  «أميل دوركايم»(42)، كما أبدى أيضاً تقديره الخاص لمنهج موس الذي برز حسب رأيه خصوصاً في «الهدية»، وذلك من حيث معالجته الحقيقة الاجتماعية بصفتها نسقاً رمزيّاً يجب إماطة اللثام عنه، وحسب رأي «ليفي ستروس» أن هذا المنهج «قد دشن مرحلة جديدة للعلوم الاجتماعية»(43)، ذلك أنها لعبت دوراً في التنظير والتعميم لتشمل الحياة الاجتماعية بمجملها. وهكذا فإن الحياة الاجتماعية، حسب هذا المفهوم، ممكن فهمها بوصفها نسقاً من العلاقات بين الجماعات وبين الأفراد، وبالإمكان فهم المنطق الخاص بها من خلال الأدوات الشبيهة والمستخدمة في حقل علم اللسانيات البنيوية. ورأي «ليفي ستروس» أنه من سوء الحظ في الأنثروبولوجيا المعاصرة أن لا يتمكن موس من مواصلة توظيف اكتشافه الذي قام بتطبيقه في نظريته على أساس التبادل في حقل مهم مثل «زواج أبناء العمومة»، والذي أكد على «التشابه الكبير بين ميدان القرابة واللسانيات، وكثيراً ما سعى موس لاثباته والتأكيد عليه بشدة. لقد مكنه ذلك من اكتشاف القوانين المحددة له، بل وبناءً على تشكلها في أي مجتمع وبغض النظر عن أي دورة للتبادل، فقد تم التعرف على قوانينها الميكانيكية المنظمة لها. وقد ترتب على كل ذلك تمكننا من استخدام الاستقراء العقلي، وبالتالي توفير الفرصة أمام علم للاتصال أتاح للأنثروبولوجيا بأن تكون جزءاً أساسياً من تكونه»(44) إلا أن الإشادة من قبل «ليفي ستروس» يقابلها نقد سلبي من قبل «سيث ليكوك»، الذي وصف عمل موس بكونه تقليديّاً، بل ويغلب عليه المنحى السوسيولوجي والتطوري(45).


الهوامش:
(1)  Marcel Mauss (1872 -1950)
(2)  Mauss, M., The Gift: Forms and Fuctions of Exchange in Archaic Societies,
(1925).
(3)  الدوركايمية: نسبة إلى عالم الاجتماع الفرنسي «إميل دوركايم 1859-1917».
(4)  لمزيد من الاطلاع على حياة وأعمال «مارسيل موس»، يرجى مراجعة السيرة الذاتية والفكرية التي كتبها عددٌمن الأنثروبولوجيين والكُتّاب، لعل أبرزها ما كتبه الأنثروبولوجي الفرنسي «كلود ليفي ستروس» ونشرهُ تحت عنوان «مقدمة لأعمال مارسيل موس»، وكذلك الكتاب الذي صدر بمناسبة مئوية مارسيل موس والذي تضمن العديد من الدراسات حول موس. نشر أيضاً مؤخراً  المؤلف الفرنسي «مارسيل فورنيه»، سيرة ذاتية وفكرية شاملة عن موس ، قام «جان ماري تود» بترجمتها بعد ذلك إلى الإنجلنزية ونشرتها دار نشر جامعة برنستون:
Levi-Strauss, C., Introduction to the Work of Marcel Mauss, (1950).
James, W. & Allen, N. J. (eds.), Marcel Mauss: A Centenary Tribute, (1998).
Fournier, M., Marcel Mauss, (1992).
Fournier, M., Marcel Mauss: A Biography, (2005).
(5)  Mauss, M., Manuel d’ethnographie, (1947), p. 5.
(6)    Durkheim, E. & Mauss, M., "De quelques formes primitives de classificaiton",
(1903).
ترجم الأنثروبولوجي البريطاني «رودني نديم 2006 -1923» هذا العمل  عام  1963م  إلى الإنجلنزية ونشره مع مقدمة مطولة، انظر:
Durkheim, E. & Mauss, M., Primitive Classification, (1963).
(7) Durkheim, E. & Mauss, M., "De quelques formes primitives de classificaiton",
(1903).
Allen, N. J., "Primitive Classification: The Argument and its Validity", (1994).
(8)  «حولية علم الاجتماع - L`Annee sociologique»: أسس عالم الاجتماع «إميل دوركايم» هذه المجلة عام 1898، وأصبح رئيساً لتحريرها، استمرت في الاصدار  بصورة سنوية حتى عام 1925 حيث توقفت بعد ذلك، ولكنها عادت للصدور في عام 1934 وتواصل صدورها هذه المرة حتى عام 1942، ولكن باسم جديد «Annales Sociologique»، إلا أنها عادت بعد الحرب العالمية الثانية فصدرت باسم «L`Année Sociologique»، وظلت  تواصل تصدر بهذا المسمى حتى يومنا هذا.
 شكلت «حولية علم الاجتماع» منذ صدورها بوتقة فكرية لمنهج ورؤية «دوركايم» السوسيولوجية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى مدرسة معروفة، كان من بين أعضائها، بالإضافة إلى مارسيل موس،: «سيلستين بوغلي» و«هنري هوبير» و«روبرت هيرتز» و«موريس هولباخ» و«فرنسوا سيمياند».
(9)  Hubert, H. & Mauss, M., "Essai sur la nature et la fonction du sacrifice", (1899).   
 انظر الترجمة الإنجلنزية لهذا العمل:
Hubert, H. & Mauss, M., Sacrife: Its Nature and Function, (1964).
(10)  Hubert, H. & Mauss, M., " Esquisse d'une theorie generale de la magie", (1904).
Hubert, H. & Mauss, M., "Introduction a l'analyse de quelques phenomenes
religieux", (1908).
(11)  Mauss, M. & Bechat, H., "Essai sur les variations saisonnieres des societes
eskimos: Etude de morphologie sociale", (1906).
Mauss, M. & Fauconnet, P. 1901. "Sociologie", (1901).
(12)  Mauss, M., The Gift: Forms and Fuctions of Exchange in Archaic Societie (1925).
Mauss, M.,"Effet physique chez l'individu de l'idee de mort suggeree par la
collectivite (Australie, Nouvelle Zelande", (1926).
Mauss, M., "Les techniques du corps", (1936).
Mauss, M., "Une categorie de l'esprit humain: La notion de personne, celle de "moi",
(1938).
(13)  Mauss, M., "Rapports reels et pratiques de la psychologie et de la sociologie",
(1924).
Mauss, M., "Divisions et proportioins des divisions de la sociolgie", (1927).
Mauss, M., "Fragment d'un plan de sociologie generale descriptive", (1934).
(14)  البوتلاش «Potlatch» : المقصود بـ «البوتلاش»، حسب شاكر مصطفي سليم: « نظام توزيع  بضائع، مثل البطانيات، والفراء، والزيت، والأدوات النحاسية، والزوارق، في حفل  على المدعوين، أو إتلافها، أو قتل العبيد أمامهم ... ويقام «البوتلاش» في مناسبات خاصة ولأسباب  معينة مثل  الرغبة في الحصول على مركز رفيع، أو الولادة،  أو الوفاة، أو ادعاء  امتيازات معينة، أو للحصول على عضوية جمعية سرية، أو لإعادة  الاعتبار  حين يرتكب الشخص عملاً  غير مقبول  اجتماعيّاً، أو لإطلاق أسير، أو للانتقام من خصم. وتُعتبر  البضائع التي يتسلمها المدعو إلى «البوتلاش» ديناً، عليه أن يرده بأكبر منه، لمن قدمه له، وإلا فقد  اعتباره ومركزه الاجتماعي»، راجع: شاكر مصطفي سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، (1981)، ص 762.
(15)  قضية دريفوس«Dreyfus Affairs»: يقصد بها هي الفضيحة التي صاحبت اتهام الضابط الفرنسي «ألفرد دريفوس 1859-1935» عام 1859  بالخيانة. وكان الكاتب والروائي الفرنسي، «أميل زولا»، من أشد المناصرين  للقضية، وقد اعتبرت القضية هذه آنذاك من أكثر قضايا الرأي العام المتعلقة بالحريات العامة.
(16)  «الإنسانية L`Humanite»: هي الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي الفرنسي سابقاً. أُسّست عام 1904 م على يد «جان جوريس»، وشهدت رواجاً شديداً بين المثقفين الفرنسيين خاصة خلال سنوات النضال الشعبي ضد الاحتلال الألماني لفرنسا، وقيام سلطات الاحتلال النازي الالماني بمنعها. ظلت «الإنسانية» تواصل الصدور سّراً، ثم عادت إلى الإصدار العلني، هذا ويعتبر عقدا الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين من أكثر عقودها ازدهاراً، ثم شهدت الجريدة  الانحسار التدريجي وخصوصا بعد انهيار  النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وأوروبا.
(17)  Mauss, M., The Gift: Forms and Fuctions of Exchange in Archaic Societies, (1925), pp.63-81.
(18)  نفس المصدر، ص 66.
(19)  Levy-Bruhl, L., “In Memoriam: Marcel Mauss”, (1951), p. 4.
(20) المصدر السابق.
(21)  Mauss, M. & Fauconnet, P., “Sociologie”, (1901),Vol. 30, p. 172.
(22)  نفس المصدر.
(23) Mauss, M. & Bechat, H., “Essai sur les variations saisonnières des sociétés eskimos: Etude de morphologie sociale”, (1906), Vol.9.
(24) المصدر السابق، ص 470.
(25) Durkheim, E. & Mauss, M., “De quelques formes primitives de classificaiton”, (1903), Vol. 6, p. 88.
(26) انظر نقد الأنثروبولوجي «رودني نديم» في هذا الخصوص:
Needham, R., "Introduction", (1963).
(27) Hubert, H. & Mauss, M., “ Esquisse d`une théorie générale de la magie”, (1904), Vol. 7, p. 16.
(28) Hubert, H. & Mauss, M., “Essai sur la nature et la fonction du sacrifice”, (1899), Vol. 2, p. 97.
(29) Mauss, M., “Une catégorie de l`esprit humain: La notion de personne, celle de moi”, (1938), Vol. 68, p. 335.
(30) Mauss, M., "L'expression obligatoire des sentiments: Rituels orausx funeraires
australiens", (1921).
(31) Mauss, M., The Gift: Forms and Fuctions of Exchange in Archaic Societies, (1925).
(32) المصدر السابق، ص 77.
(33) المصدر السابق، ص 77-78.
(34) المصدر السابق، ص 31.
(35)  «لزوم رد الهدايا Prestation»، وفق تعريف شاكر مصطفي سليم: «مصطلح فرنسي معناه العام: مال أو خدمات، أو عمل، واجب الرد أو الأداء. أقتسبه مارسيل موس وأعطاه معنى محدداً هو «لزوم رد الهدايا». فتقديم الهدايا في أغلب الشعوب البدائية واجب اجتماعي يزيد من اعتبار من يقوم به، ويقلل من يتواني عن أدائه...». انظر: شاكر مصطفي سليم، قاموس الأنثروبولوجيا،(1981)،  ص 769.
(36) Mauss, M., Manuel d'ethnographie, (1947).
(37) Mauss, M., Oevres, (1968-89).
(38) Mauss, M., "Rapports reels et pratiques de la psychologie et de la sociologie",
(1924).
Mauss, M., "Effet physique chez l'individu de l'idee de mort suggeree par la
collectivite (Australie, Nouvelle Zelande", (1926).
Mauss, M., "Une categorie de l'esprit humain: La notion de personne, celle de "moi",
(1938).
Durkheim. E., Suicide, etude de sociology, (1897).
(39)  Durkheim, E. & Mauss, M., "De quelques formes primitives de classificaiton",
(1903).
(40)  Carrithers, M., S. Collins & S. Lukes, The Category of the Person: Anthropology
philosophy, History, (1985).
(41) Mauss, M. & Bechat, H., "Essai sur les variations saisonnieres des societes
eskimos: Etude de morphologie sociale", (1906).
Hubert, H & Mauss, M., " Esquisse d'une theorie generale de la magie", (1904).).
(42)  راجع: عبدالله عبدالرحمن يتيم، كلود ليفي ستروس: قراءة في الفكر الأنثروبولوجي المعاصر، .(2001)
Levi-Strauss, C., "French Sociology", (1945).
Levi-Strauss, C., "Introduction a l'oeuver de Marcel Mauss", (1950).
(43)  المصدر السابق، ص 35.
(44) المصدر السابق، ص 41.
(45) Leacock, S., "Ethnological Theory of Marcel Mauss", (1954).

المراجع العربية:
شاكر مصطفي سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، الكويت، جامعة الكويت، 1981،
عبدالله عبدالرحمن يتيم، كلود ليفي ستروس: قراءة في الفكر الأنثروبولوجي المعاصر، الأيام للنشر، الطبعة الثانية،.2001
                                           
المراجع الأجنبية:
Allen, Nicholas J. 1994. “Primitive Classification: The Argument and its Validity”. In W. S. F. Pickering & H. Marins (eds.). Debating Durkhiem. London: Routledge.
Durkheim, Emile. 1897. Suicide, étude de sociologie. Paris.
_____. & Mauss, Marcel. 1903. “De quelques formes primitives de classificaiton”. Année sociologique. Vol. 6
_____. & Mauss, Marcel. 1963. Primitive Classification. Translated and edited with introduction by Rodney Needham. Chicago:                 University of Chicago Press.
Fournier, Marcel. 1992. Marcel Mauss. Paris: Fayard.
_____. 2005. Marcel Mauss: A Biography. Translated by Jane Marie Todd. Princeton: Princeton University Press.
Hubert, Henri & Mauss, Marcel. 1899. “Essai sur la nature et la fonction du sacrifice”. Année sociologique. Vol. 2.
_____. & Mauss, Marcel. 1904. “ Esquisse d’une théorie générale de la magie”. Annee sociologique.vol.4;Vol. 7.
_____. & Mauss, Marcel. 1908. “Introduction à l’analyse de quelques phénomènes religieux”. Revue de l’histoire des religions. 58: 163-203.
_____. & Mauss, Marcel. 1964. Sacrife: Its Nature and Function. Chicago:                        University of Chicago Press.
Leacock, Seth. 1954. “Ethnological Theory of Marcel Mauss”. American             Anthropologist. (New Series). 56: 58-73.
Levy-Bruhl, Lucien. 1951. “In Memoriam: Marcel Mauss”. Année sociologique. 3rd series (1948-1949).
Levi-Strauss, Claude. 1945. “French Sociology”. In Georges Guritch & Wilbert E. Moore (eds.). Twentieth Century Sociology. New York: Philosophical Library.
_____. 1950. Introduction to the Work of Marcel Mauss. London: Routledge.
_____. 1950. “Introduction a l’oeuver de Marcel Mauss”. Sociologie et anthropologie. 2d ed. Paris: Presses Universitaires de Frane.
James, W. & Allen, N. J. (eds.). 1998. Marcel Mauss: A Centenary Tribute. New York: Berghahn Books.
Mauss, Marcel & Fauconnet, Paul. 1901. Sociologie. in La grande  enyclopedie: Inventaire raisonne des sciences, des lettres et des arts.           Paris: Societe Anonyme de La Grande Encyclopedie. Volume 30:165-176.
_____. & Bechat, Henri. 1906. “Essai sur les variations saisonnieres des societes eskimos: Etude de morphologie sociale”. Annee sociologique. Vol. 9.
_____. 1924. “Rapports reels et pratiques de la psychologie et de la sociologie”. Journal de psychologie normale et pathologique.
_____. 1925. The Gift: Forms and Fuctions of Exchange in Archaic Societies. Glencoe, Ill.: Fress Press.
_____. 1926. “Effet physique chez l’individu de l’idee de mort suggerée par la collectivité Australie, Nouvelle Zélande”. Journal de psycologie normale et  pathologique.
_____. 1927. “Divisions et proportions des  divisions de la sociolgie”. Année sociologique.
_____. 1934. “Fragment d’un plan de sociologie générale descriptive”. Année sociologique. A.1: 1-25.
_____. 1936. “Les techniques du corps”. journal de psychologie.
_____. 1938. “Une catégorie de l’esprit humain: La notion de personne, celle de «moi». Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain an Ireland. Vol. 68.
_____. 1947. Manuel d’ethnographie. Paris: Payot.
_____. 1950. Sociologie et anthropologie. Paris: Presses Universitaires de France
_____. 1968- 89. Oevres (3 vols.). Paris: Minuit.
Needham, Rodney. 1963. “Introduction”. In Durkheim, Emile & Mauss, Marcel. Primitive Classification. Translated and edited with introduction by Rodney Needham. Chicago: University of Chicago Press.


السبت، 24 مايو 2014

مولد الفن: موريس بلانشو

ترجمة: محمد خليل فهمي

حقاً إن كل ما في كهف "لاسكو"(*) يملك علينا أنفسنا، ويوحي إلينا بالسحر والروعة: من الجمال المخبوء في طيات الظلام آلاف السنين، والظروف التي صانته، والمصادفة التي كشفت عنه، إلى ضخامة وبسطة في تلك الرسوم التي نراها هناك لا على صورة خطوط بدائية أو زخارف وجلة متردّدة، بل نراها أشبه شيء بكيان نابض بالحياة، يشعرنا بسيطرته الشاملة، حتى لكأنّ المكان أعد عن قصد، وهيء لإظهار وتبيان الإعجاز اللذين أتيحا لفن التصوير.
وما من شكّ أن هذه الرسوم قد فتنت بسحرها ألباب أولئك الذين رأوها لأوّل مرّة، وعقدت ألسنتهم الدهشة بمثل ما عقدت ألسنتنا. ولا غرو، فإن هذا المكان يشع فيه الفن كامل التكوين، وإن كان في مطالع إشعاعاته.
إن كهف "لاسكو" يكشف لنا عن نشأة الفن الحقيقية، فنتبين منها أن الفن إنما جاء منذ مولده يحمل في طياته إمكانيات التحوّل والتجدّد، ولكنه في ذاته كامل الحسن. ذلكم هو ما يشيع في نفوسنا الرضا والإعجاب؛ لأن الذي نريده للفن هو أن ينهض قائماً منذ نشأته، فلا يكون في كلّ مرّة يجيء فيها قوياً راسخاً إلاّ مظهراً من مظاهر تجدّده.
تلك هي الحقيقة وإن بدت ضرباً من الخيال؛ ذلك أنها توجّهنا وتحفّزنا إلى السعي وراء الجمال، وتظهرنا بطريقة ملموسة على الصراع الفريد الناشب بين الفن من ناحية، ونحن والزمن من ناحية أخرى. ولشدّ ما نعجب حين يبدو لنا فن "لاسكو" –أقدم الفنون قاطبة- كأنه وليد اليوم؛ ولشدّ ما تأخذنا الدهشة حينما نرى هذه الرسوم الآتية إلينا من عالم غريب لا تربطنا به أية آصرة، تحلّق بنا في جو من الألفة الوثيقة والاستجابة السريعة، بالرغم مما يباعد بيننا وبين عالمها من غموض.
وهذا العجب نستشعره في كلّ ما يصادفنا من آثار الأحقاب الخالية، أمّا آثار "لاسكو"، حيث يخامرنا شعور بأننا إزاء الزمن السحيق الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر، فعجبنا حيالها يزداد ويتضاعف؛ وهي، بعد، تؤكد إيماننا بالفن، بل بقدرته التي لا تضلّ الطريق إلى مشاعرنا أبداً، وإن خفى مغزاه أو استترت غايته.
ولقد كتب جورج باتاي (**) في بحث له بعنوان "فن التصوير في عصر ما قبل التاريخ –لاسكو أو مولد الفن"، فقال: «إذا نزلنا إلى كهف لاسكو، تملكنا شعور أخاذ آسر، شعور لا نحسّه عندما نقف أمام واجهات المتاحف، نتأمّل أقدم بقايا الإنسان المتحجّر، أو عُدَده المصنوعة من الحجر. إنه الإحساس بالكيان النابض نفسه، الكيان الجليّ المتوقد، الذي يخالجنا تجاه الآيات الفنية على مدى الحقب والدهور». فما مبعث شعورنا بهذا الكيان النابض بالحياة؟ ولماذا نعتني بهذه الرسوم؟ ألأنها رائعة فحسب؟ بل لاعتقادنا أنها أوّل ما حققه الإنسان من عمل فني، تنشقّ عنه الظلمات مكتملا. وكأنه الدليل على الإنسان الأوّل في ذلك الزمن السحيق، الدليل الذي طالما بحثنا عنه في لهفة يتعذّر تعليلها، وحماس لا يعرف الكلل. فلماذا هذه الرغبة الجامحة التي تدفع الإنسان إلى الكشف عن أصله الأول؟ بل لماذا يبدو كلّ ما يتعلّق بأصل الإنسان ومنشئه وكأنه محاط بغلالة من الأوهام قد تخفي وراءها حقيقة خاوية: حقيقة أوائل الأشياء؟ ثمّ لماذا يحملنا الفن على الظن بأنه قد يمثل هذا اللغز، بل يقطع هذا اللغز باليقين؟ ثمّ ما الذي يحدو جورج باتاي، حين يتحدث عن "معجزة لاسكو"، إلى ذكر "مولود الفن"؟
والحق أن كتاب جورج باتاي عن "لاسكو" الذي أصدره الناشر "سكيرا"، بلغ من الروعة حدّاً يحملنا على الاقتناع بما جاء فيه لا لوضوح عرضه وقوّة حجته فحسب، بل لأن عبارة باتاي الرصينة لا تنفكّ عن الاتصال بالصور التي نقلها الكتاب نقلا أميناً عن رسوم كهف "لاسكو".
ومن أعظم محاسن هذا المجلد القيّم، أنه يتجنب الإساءة إلى هذه الآثار، وإن كان ينتزعها من أعماق الأرض، فهو يجهد أن يجعلها تفصح عن نفسها، ذلك الإفصاح الذي يفوق دائماً في وضوحه وجلائه، كلّ ما قد تسوقه التفسيرات والتعليلات.
هذا، والرسوم التي يزخر بها كهف "لاسكو" تجمع بين الطابع الوقور، والطابع المتوثّب. وما تمثله من أشكال حيوانية نراه حيناً منتظماً منسقاً، وحيناً آخر متشابكاً، متداخلاً بعضه في بعض. ويهمّنا بلا ريب أن نعرف: هل كانت هنالك صلة بين هذه الأشكال وبين طقوس السحر؟ وهل كانت تلك الطقوس تعبّر عن علاقة خفية بين الإنسان القنّاص، وتلك الكائنات التي يعجّ بها عالم الحيوان؟ إنّها طقوس لا ندري عنها شيئاً؛ ومع ذلك، يحاول الإخصّائيون أن يتمثلوها في أذهانهم، مستعينين بما يعرفونه من الحضارات البدائية القائمة في وقتنا هذا، ببعض الأصقاع والجزر القصية.
وتمثلهم لها، وإن كان يكتنفه الغموض، إلاّ أن تأويلهم يستند إلى دراسة جدّية، فيطالعنا برؤى غامضة، قاتمة، معقدة، موغلة في القدم. وإذا صحّ ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون من أن عالم "لاسكو" كان عالماً تسود فيه همجية مظلمة، وطقوس غامضة، وعادات لا سبيل إلى الوقوف عليها، فإن رسوم "لاسكو"، على عكس ذلك، تبهرنا بمطابقتها للطبيعة، وتفاجئنا بمرحها الفياض، وصفائها المنير الوهاج. وإذا غضضنا الطرف عن مشهد مخبأ في بئر، وطرحنا جانباً رسماً مشوشاً يعرف "بالليكورن"(***)، تجلت لنا هذه الرسوم كلّها في صفاء وضاء يغرينا بالتجاوب معها في جذل نستشعره لأوّل وهلة دون أن يخالطه شيء سوى الدهشة التي تصاحب عادة الإعجاب بكلّ ما هو جميل رائع.
إنها صور جلية لا لبس فيها ولا غموض، صور ذات طابع رفيع، متقن، فياض، نستشف فيها أصالة متحرّرة، وفناً لاهياً طليقاً، لا يخفي شيئاً وراء ما يظهره، فنّاً يكاد يخلو من موضوع، يكشف عن خبيئته في صراحة جذلة غير هيابة؛ وهو، بعد، فن ربما كان أقلّ بدائية من الفن الإغريقي في أوله (أي الفن الأركائيك)؛ ولشدّ ما يختلف طابعه عن الطابع الملتوي، المثقل، الذي يجتذبنا في فنون القبائل البدائية المعاصرة.
والحقّ أنه لو قدر لفلاسفة القرن الثامن عشر أن ينزلوا إلى كهف "لاسكو"، لكانوا قد تعرّفوا لتوهم على الحياة الناعمة الساذجة التي كانوا يتخيلونها من خصائص المجتمعات في أول عهدها.
إننا نعرف ضآلة حظ هذه التخيّلات من الحقيقة، غير أن فن "لاسكو" –وإن لم يكن بالسذاجة التي توسمها هؤلاء المفكرون في فنون الأحقاب الخالية- يشهد بما يتّسم به فن تلك العصور من "بساطة" معجزة محيّرة، تحيّرنا بسهولة إدراكها، كأنّها قريبة منا، ومع ذلك فهي تستعصي على أفهامنا، وإن كانت أبعد ما يمكن عن فن الغموض والتعقيد.

*****

ذلك هو فن "لاسكو" يأتي إلينا عبر الأحقاب والعصور بيسر وضوحه، وإشراق بيانه، فيطالعنا بحيويته الفياضة التي تحرّك تلك القطعان من الحيوان، وتعيد إلى صورها حياته الموقوتة قوية متدفقة حتى ليخيل إلينا أننا بإزاء أصدق متعة للإنسان، متعة الفرح الذي يغمرنا ونحن نكشف عن روعة الفن.
وإزاء ما يفيض به الفن في "لاسكو" من بشر وإشراق؛ يتابع جورج باتاي رأياً طالما وجهه في بحوثه ودراساته، فيبين أن رسوم "لاسكو" ترتبط في الغالب بالإحساس الجيّاش، إحساس البهجة المتدفقة التي تغمر الإنسان عندما يوقف، إلى حين، عجلة الجهد والعمل، فيعود إلى منابع الفيض الطبيعي، أي إلى ما كان عليه حين لم يكن قد صار إنساناً بعد، فيحطّم الأغلال، وينتهك الحرمات. وبهذه الأغلال التي برزت في هذه المرحلة من تطور الإنسان ثمّ تحطيمها، والمحرمات التي بدت فيها ثمّ انتهاكها-يرتقي الإنسان عن حاله الأولى، ويستجمع قواه: تلك هي لحظة التجلّي والإرهاصات الفنية.
وكأننا بالإنسان وقد بلغ رشده على مرحلتين من مراحل الانتقال؛ فقد مضت ملايين السنين التي كانت تلك المخلوقات ذات الأسماء العسيرة النطق من أمثال "الأسترالوبيتيك" Australopithèque، و"التيلانتروب" Telanthrope، و"السينانتروب" Sinanthrope، تدبّ خلالها على الأرض متدرجة من الانتصاب على أقدامها، إلى استخدام العظام للقتال، ثمّ إلى تهشيم هذه العظام لاستخدام "شطفها"، قبل أن تفطن إلى تحطيم الحجارة، وتسوية شطفها عُدداً وأسلحة. وكانت بذلك تنحرف عن طبيعتها انحرافاً خطيراً، حتى وصلت إلى إدراك معنى الدمار والموت، فتعلّمت كيف تسخّرهما وفقاً لغاياتها ومصالحها؛ وتمّ ذلك خلال الأزمنة الأزلية السحيقة التي ارتقى فيها الإنسان البدائي Le pré-homme إلى مرتبة "المخلوق الكادح" قبل أن يصير إنساناً.
وليس في مقدورنا بطبيعة الحال أن نتمثل "الشعور" الذي خالج ذلك المخلوق البدائي عندما أتاحت له مخترعاته الأولى أن ينسلخ عن مجموع الكائنات، ويقف منها على حدة. وإننا لنعزو إليه، في حدسنا، شعوراً خفيا بالزهو والجبروت والقسوة؛ وربما كان لحدسنا نصيب من الصحة إلى حدّ ما؛ غير أن دلائل كلها تشير إلى أن الإنسان كانت تراوده في بداية سيره نحو الإنسانية، ذكريات مملوءة بالقلق والرعب، فما من ظاهرة إلاّ تحملنا على الاعتقاد بأن الإنسان –مع ما واتته به مخترعاته الأولى من أسباب القوة والسطوة- ما برح يستشعر في دخيلته أشدّ الضعف: إمّا لأنه يلمس ذلك القصور الجوهري الذي به وحده تمّ له أن يصير مخلوقاً مغايراً للمخلوقات كافة؛ وإمّا بتبدّله إلى مخلوق مغاير، يستشعر الإثم في كلّ ما ساقه إلى التنكّر لما نسميه الطبيعة.
وقد يكون المصدر الحقيقي للهوّة التي انشقت بين الإنسان و"المجتمع الطبيعي"، هو ما أتيح له من الكشف عن سرّ الدمار والموت؛ بيد أنه تعلّم كيف يتخذ من هذه الشقّة عوناً له في صراعه مع الطبيعة، وإن لقى في سبيل ذلك عنتاً شديداً، وجنح أحياناً كثيرة إلى الانتكاس أو العودة إلى طبيعته البدائية؛ فإنه عمد إلى أسباب ضعفه فجرّبها وتعمّق البحث في جذورها، ليزيد في قوّته، ويوطّد من قدرته. وربما كانت المحرمات (التابو) –المحرمات الجنسية ومحرمات الموت والقتل- التي يفرض جورج باتاي أنها ضربت، منذ الأزل نطاقاً حول الإمكانيات البشريّة –بمثابة سدود أقيمت لتحول بين المخلوق المنطلق، المبتعد عن طبيعته، ونكوصه على أعقابه، أو بمثابة حواجز فرضت لترغم الإنسان على المضي قدماً في ذلك الطريق الوعر، المحفوف بالشكوك والمخاطر والذي لا مندوحة له من المضي فيه ليظلّ إنساناً؛ ولتحمي جميع أنواع نشاطه الشاقة التي تتنافى وطبيعته الأولى، ذلك النشاط الذي تبلور في مجال العمل بفضله.
وهكذا ينتهي بنا المطاف إلى ذلك الإنسان القديم، "إنسان وادي النياندر" homme de Neandertal الذي لم ننحدر عنه مباشرة، والذي انقرض نسله وباد. ونحن اليوم ننظر إليه نظرة مجرّدة من العطف، مع أنه كان "عاملا" مجدّاً، وماهراً في استخدام عدد الصناعة وآلات الحرب.
وقد عرف ذلك الإنسان البدائي الموت وخشيه، وأغلب الظن أنه أحاط نفسه تبعاً لذلك بسياج من المحرمات، الأمر الذي مهد له السبيل ليتحكم في مصيره نحو الإنسانية، وإن لم تتح له ممارسة هذا التحكم إلى النهاية. ترى ما الذي كان ينقصه ليمضي قدماً في طريق التطور والارتقاء؟ ربما لم تكن تعوزه سوى قوّة الاستخفاف والتحدّي والعزم الملهم، تلك الصفات التي تدفعه إلى "انتهاك" المحرمات، بذلك "الانتهاك" وحده، أرسى الإنسان البدائي قواعد إنسانية.
هذا، ولو أتيح لنا أن نسترسل في التقدير والتخمين وراء الرؤى والنظريات التي يطالعنا بها العلماء بين الفينة والفينة، لكان في وسعنا أن نقول: إن هذه الحقبة الحافلة بالأحداث الخارقة والتغييرات الجوهرية، قد شهدت طفرتين، أو مرحلتين حاسمتين من مراحل تجاوز أو "انتهاك" الحواجز الطبيعية: في الأولى ينتهك الإنسان البدائي حرمة الأوليات الطبيعية، فيتمرّد على نفسه، أو بعبارة أدق، على الطبيعة الكامنة في نفسه، فيستحيل إلى حيوان قد راض نفسه بنفسه، ثمّ بدأ العمل، وبذلك تبدل الإنسان إلى مخلوق مناف للطبيعة، مناف لها بالقدر الذي ينتفي معه وقوع المحرمات التي تحدّ مما هو عليه لصالح ما عسى أن يصير إليه.
ويبدو أن هذا التطوّر، أو "الانتهاك" الحاسم الذي أدى إلى انسلاخ الإنسان عن عالم الحيوان، لم يكن وحده كافياً لإيجاد إنسان مكتمل على شاكلتنا. ومن ثمّ كان لابدّ من تجاوز هذا الحدّ الذي وصل إليه الإنسان في تطوره، بالإقدام على "الانتهاك" أو التجاوز الأخير، وهو ذلك "الانتهاك" الموجّه، الذي يعرف غايته ويعمل على تحقيقها في عزم وإصرار؛ إذ مكن الإنسان من "انتهاك" المحرمات خلال "لحظة موقوتة"، وحمله على أن يعيد النظر في انحرافه الذي باعد بينه وبين أصله الأوّل، ولكأنه، بمعنى آخر، أتاح للإنسان أن ينكص على عقبيه في الطريق الذي قطعه منذ البداية، لينقب في غياهبه، ويكشف عن مجاهله، ويختبر دروبه ومسالكه؛ ومن ثمّ يتاح للإنسان أن يعود فيتصل بحقائق العصور الأولى، وأولها حقيقة العالم الحيواني؛ وفي ذلك عود إلى الأزل السحيق؛ ولكنه عود مخلوق تطور وعرف، ولا يمكن له –حتى لو خيّل إليه أنه يستطيع- أن يمحي الأثر الذي تركه في نفسه مليونان من السنين قضاها في الضبط، والترويض، والتزام جانب الضعف، حتى تحوّل إلى ريشة في مهب الريح، ولكنها ريشة تفكّر(****)
ويقول جورج باتاي: «إن الإنسان يتطوّر وفي نفسه ما يشبه اليقين بأن انتهاك الحدود الطبيعية لم يبدأ بالمعنى الصحيح إلاّ في اللحظة التي ظهر فيها الفن أوّل ما ظهر، وبأنّ مولد الفن، في "عصر الرنّة َAge du Renne"، تعلنه فرحة صاخبة، وتجليه تلك الرسوم النابضة بحياة لا تنفكّ في تجدد مستمر، تجري فصولها فيما بين المهد واللحد». ولا يسعنا إلاّ أن نسلم بما بلغه جورج باتاي في هذا الخاطر من أصالة رأي وقوّة بيان؛ فالإنسان، في رأيه، لم يصبح إنساناً بفضل ما له من صفات إنسانية خاصة تميّزه من بقية الكائنات، وإنّما عندما يلمس في نفسه تمكناً من هذه الفروق يكفي لأن يخوّله سلطة غامضة تجعله يبدو كمن يحطّم هذه الفروق؛ وكذلك يكفي لأن يمجّد نفسه، لا فيما حققه من مكاسب خارقة، وإنما في تخليه عن هذه المكاسب وتناسيها، وللأسف! في نبذها –بل- والحق يقال أيضاً –في تجاوزها، وتحقيق ما يبذها ويفوقها.

*****

وكأنما يتيح لنا الفن الوقوف على بداية ميلادنا الحقيقية الوحيدة؛ وهي بداية قريبة نوعاً ما، تمعن رسوم "لاسكو" في تقريبها إلينا بفضل الإحساس بالصلة والقرب الذي تستهوينا به. ولكن، أيكون هذا الإحساس حقا إحساساً بالصلة والقرب؟ إنه بالأحرى إحساس بكيان نابض بالحياة، أو بعبارة أدق، إحساس بالظهور والتجلي. وربما كان لزاماً علينا، قبل أن تدرج هذه الآثار الفنية في تاريخ الرسم والتصوير أن نبين الخاصية التي تميزها من غيرها: إنها ذلك التأثير، الذي يجعلها تبدو كأنها ما وجدت إلا لتبقى بقاء موقوتاً، فقد خطتها لحظة من الزمن، وخطت هي من أجل هذه اللحظة. وهي ليست صور الليل والظلام، وإنما جلاها سرّ الظلام الذي انجاب عنها لتوّه وساعته، حتى ليكاد الناظر إليها يتبينها الآن، والآن فقط؛ كأنها كيان لا بقاء له، أو كأنها تلك الكلمات التي ظهرت مضيئة على الحائط، تنذر بختنصر بزوال ملكه: "ماني، تيكل، فارس" أخرى، ولكنها فرحة مبهجة هذه المرّة تخبرنا في اللحظة العابرة عن ماهية الفن، ثمّ إذا هي تتلاشى وتغيب.
ما أغربه من إحساس قوامه الشكّ واليقين، يتألق عند أقصى ما تستطيع أن تتبينه مداركنا أو تعيه أفهامنا، في حين أنه أثبت وجوداً من كلّ ما هو مرئي أو منظور. ويخيل إليّ أن هذا هو ما نحسّ به لمرأى آثار "لاسكو"، فنحن نعلم أننا بإزاء مشرق الفن؛ وهذه القدرة هي التي تجتذبنا وتملك علينا أنفسنا، كما لو كان الفن يتألّق لأوّل مرّة في وهج المشاعل، فيبزغ فجأة قويّاً راسخاً، وقد أوتى من قوّة الوضوح وقوة البيان ما لا يدع مجالا للشك أو موضعاً للنقد، هذا على حين أننا نعلم أو بالأحرى، نحسّ في قرارة نفوسنا أن هذا الفن الذي ننظر إليه هنا على أنه فن مبتدئ، قد مضى على بدايته أمد طويل. إن فن "لاسكو" فريد، وحيد في نوعه، ولكنه ليس الأوحد؛ وهو الفن "السابق" ولكنه ليس الأسبق. فمنذ آلاف السنين والإنسان يزاول النحت، والحفر، والرسم، ويخضب الجدران بالألوان، ويمارس التصوير، فيمثل أحياناً وجوهاً بشرية، كما بينه ذلك الرسم الذي تمّ اكتشافه في "باسّا مبوى"، والذي يبعث على العجب والدهشة في نفوسنا، لأنه يكشف عن اتجاه الفن، منذ ذلك الزمن السحيق، إلى إبراز ما في المرأة من جمال، وما في الأنوثة من سحر.
والحقّ أنه قد أتيح لنا أن نطّلع على الخطوات الأولى التي خطاها النشاط الفني خير اطلاع؛ فتارة نرى الدب يخط أول خطوط الفن عندما يجري بمخالبه على الجدران تاركاً فيها آثاراً عميقة ينظر إليها الإنسان الأول (وكان الدب له أليفاً) في عجب مقترن برغبة ملحّة تدفعه إلى أن يبرز ما يتراءى له في ثناياها من معان خفية؛ وتارة أخرى نرى الإنسان ينظر –كما كان يفعل ليوناردو دافينشي- إلى الأحجار والجدران، فيتبين عليها بقعاً أشبه ما تكون بصور يكفي أن تحوّر تحويراً طفيفاً لإبراز معالمها وتجليتها(*****)؛ ونراه حيناً يمرّ بأنامله المتسخة على الصخور، أو على جسده، فيثير عجبه الآثار التي تتركها عليه، وكأننا بالطين وقد بدأ يتلون لوناً؛ وحيناً آخر نرى ذلك الإنسان نفسه الذي يكسّر العظام آناً ويحطم الأحجار ليتخذ منها سلاحاً-يحطمها آناً آخر ليبهج نفسه، فيعمد إلى تهذيب "شطفها" وصقلها دون فائدة عملية ترجى من ذلك، وإن كان يخيل إليه أنه يزيد من كفايتها وجودتها بما يجريه عليها من نقوش تروقه ويسر بمرآها. هذا، ولدينا على ذلك الحجج والأدلة، أو على الأرجح بقايا وآثار تصلح لأن تتخذ حججاً وأدلّة. ولقد حدث ذلك كلّه قبل أن توجد "لاسكو" التي يرجع تاريخها إلى ثلاثين ألف سنة على أقصى تقدير، إو إلى خمسة عشر ألف سنة على أقرب تقدير؛ وهو تاريخ قريب منّا جداً بالنسبة إلى ما قبل التاريخ (لكأني برسوم "لاسكو" بنت اليوم!). ثمّ إن فن "لاسكو" نفسه يثبت بما أوتى من قدرة فنية مركبة شاملة مكتملة، أن هنالك قروناً طويلة من الرسم والتصوير قد سبقت ظهوره؛ فهذه الآثار المنبسطة أمام أنظارنا لم تكتمل، ولم تخرج بهذه الصورة التي هي عليها من الاتقان والإحكام، إلاّ بعد أن صقلتها التقاليد والنماذج والأحكام الفنية المتوارثة، فتجلت في أبهاء هذا الكهف الفسيح المخصّص للفن، الذي أطلق عليه الكاتب "أندريه مالرو" اسم "المتحف".
ولا نغالي إذا قلنا: إنه كانت هناك، في تلك الأزمنة السحيقة، مراسم (أتيلييهات)، وربما قامت حولها تجارة في الفن؛ فقد وجد في مرتفعات "ألتاميرا" بإسبانيا ما يدلّ على ذلك، فالثور الوحشي (البيزون) الذي نرى رسمه مصغراً على صخرة، نجد له شبيهاً مكبراً على بعد ثلاثمائة كيلومتر في "فون دي جوم" (بمقاطعة دوردوني بفرنسا) يمتاز بقوّة آسرة وتأثير أخاذ، يحاكي الرسم الأول أشدّ المحاكاة، ويطابقه مطابقة محكمة دقيقة تثير الحيرة والتساؤل؛ وكأن هنالك فناناً جوالا يضرب في الأرض حاملا أداته الحجرية الدقيقة، مستجيباً لرغبات الطالبين بحسب الظروف والملابسات ومؤدياً لرسالة الفن المقدسة، يزين الأمكنة المختارة، ويملأها بالتعاويذ ويجري طقوسه الغامضة- بصور وأشكال استهوت عقول الناس آنذاك بمثل ما تستهوي به عقولنا حتى يومنا هذا.
ولذلك يصحّ أن نقول: إن ما نعتبره في "لاسكو" بداية، ليس في الواقع إلا نهاية لفن تبددت نشأته في ثنايا الزمن، واختفت وراء ستار كثيف من الغموض والإبهام. فهنالك حقبة لا يظهر فيها شيء، ثمّ حقبة تتوالى فيها الدلائل وتتكاثر البشائر. فيبدو أن الإنسان "النياندرى" القديم لم تكن لديه –كما يقرر ويؤكد جورج باتاي- فكرة ما عن النشاط الفني، وفي هذا ما يثير الحيرة؛ إذ أن ذلك معناه أن الحقبة التي تمّ فيها اكتشاف ما نسميه الصنعة- أي تكييف الخامات والأشياء وتحويلها إلى عدد وآلات وأسلحة- لم تقترن لزاماً ببزوغ الفن في نفس الإنسان. وقد توجد سلالات لا تقلّ عن الإنسان "النياندرى" في القدم –ربما نكون نحن قد انحدرنا عنها- كان الإنسان فيها "صانعاً" و"فناناً" في الوقت نفسه. وهذا الاحتمال ليس ببعيد وكل ما يترتب على صحته أن البداية أبعد ممّا نقدر ونتصور. بيد أن ذلك لا يمنع من أن تظلّ للإنسان "النياندرى" دلالة بالغة الأهمية؛ ذلك أن مهارته في استعمال العدد والآلات، وتوسعه في صنع الأشياء والحاجيات، لم تيسر له بلوغ ذلك النشاط الأكثر تحرّراً والذي يتطلب التحرّر المطلق، ويستلزم تلك القوة الخفية التي تبعث فيه العزم نحو تحطيم الأغلال وتكسير القيود، وهو النشاط الذي يبدع الفن.

*****

هذا، وحرى بنا ألا نغفل ما قاله الأب تييار دى شاردان (******) في جرأة وسذاجة، حين أشار إلى أن معرفة البدايات تخفي علينا دائماً، وأنه: «إذا استحال علينا الوقوف على سرّ بداية البدايات، فمرجع ذلك إلى أن الزمن يميل إلى ابتلاع وإخفاء معالم الأجزاء الضئيلة الواهنة، والجوانب الأقل ضخامة وبروزاً، التي تحتوي على أدلّة التطور والتقدم. وسواء كان الأمر متعلقاً بفرد، أو بجماعة أو بمدينة ما، فإن الأجنة لا تترك آثاراً ولا حفريات». ومن ثم، فلا مناص من أن تكون هنالك ثغرة أو حلقة مفقودة على الدوام، كأنما المنشأ أو الأصل لا يكشف ولا يتحدث عن نفسه أبداً فيما ينحدر عن هذا الأصل نفسه، وإنما هو يختفي ويستتر دائماً وراء ما ينحدر وينتج عنه، وغالباً ما يتعرض الأصل للفناء، ويقضى عليه بوصفه أصلا. ويضيف الأب تييار دى شاردان إلى ذلك قوله: «إن مرحلة التبدّل أو الانتقال إلى الطور الآدمي ستظلّ أبداً خافية تتحدى لهفتنا وتعطشنا إلى معرفتها». وربما لم يكن مردّ استحالة الوقوف على ملابسات هذا الانتقال أنه مفقود أو ضائع، وإنما لأنّه هو عين ذلك الضياع والنقص، ذلك لأن التبدّل والانتقال لم يقدّر لهما أن يتحققا إلا بعد أن صارا أمراً واقعياً، وكذلك بقدرة هذا الانتقال على أن يطرح ما كان قد خلّفه وراءه لتوّه وساعته، بعيداً عنه.
وهذا السراب، إن كان سراباً حقاً، هو حقيقة الفن، ومعناه، فالفن يرتبط بأصلنا الأول ارتباطاً وثيقاً فهو يكشف، ويوطّد، ويخرج إلى حيز الوجود كلّ ما "يسبق" في الأصل، أي كلّ ما هو موجود دون أن يكون لوجوده قيام بعد؛ وهو، أي الفن، يتقدّم في الوقت نفسه كلّ ما سبق له وجود، وكأنه الوعد الذي يبر به سلفاً.
فليس ثمّة على وجه الإطلاق ما يثبت أن الفن بدأ في الوقت الذي ظهر فيه الإنسان أوّل ما ظهر؛ بل، بالأحرى، نرى دلائل كلها تشير إلى عملية تمهيد وتوطئة ذات مغزى سبق بها الزمن. بيد أن أولى مراحل الفن الهامة توحي بأن الإنسان لم يصل إلى بدايته بعينها، ولم يتأت له أن يؤكد أولية وجوده نفسه، أي التعبير عن جدته وحداثة انبثاقه –إلاّ عندما استطاع، بفضل الفن، وعن طريقه، أن يبلغ من القوة، والإشراق، والسعادة بالسيطرة التي تتيحها له قدرة هي بذاتها القدرة على البدء. فالفن في "لاسكو" ليس بمبتدئ، والإنسان كذلك، ليس بمبتدئ أيضاً. غير أن كهف "لاسكو" المترامي الأطراف، ذا المسالك الضيقة الزاخرة بالرسوم والأشكال الحيوانية، الكهف الذي يبدو أنه لم يعدّ أبداً لإقامة الإنسان أو سكناه –يغلب على الظن أنه المكان الذي بلغ فيه أول ما بلغ ذروة السمو وقمة الكمال في "البداية"، وفتح للإنسان وجوداً استثنائياً أو آفاقاً جديدة تقوم إلى جانبه، وإلى جانب الروعة التي كان لا مناص له من أن يختفي وراءها، ويتوارى خلفها ليكشف عن ذاته؛ هذه الروعة التي تتجلى في عظمة الثيران الضخمة، وثورة البقر الوحشي "البيزون" المكفهر الغاضب، وظرف الجياد الصغيرة الجميلة، ورشاقة الوعول الحالمة، وحتى في الرسوم المضحكة للأبقار البدنية التي تقفز وتتواثب. أمّا الإنسان فلم يرمز إليه إلا بخطوط سريعة مقتضبة، في المنظر المرسوم في أعماق البئر؛ وهذا الإنسان يبدو راقداً بين ثور وحشي يهاجمه، وكركدن يستبدره. أهو ميت، أو نائم؟ أهو "يعزم" وينفث سحراً؟ هل يعود مرّة أخرى إلى الحياة؟ هذه الأسئلة أثارها ذلك الرسم "الكروكي" الوجيز، وشغلت أذهان العلماء في غير طائل، وتحدث حصافة الباحثين من غير جدوى.
ومما يسترعي الاهتمام والملاحظة، أن تمثيل الإنسان في ذلك العمل الفني الذي نراه، فيما عدا ذلك، واضحاً لا لبس فيه –استتبع دخول عنصر من عناصر الإبهام والغموض، وإدماج مشهد أشبه ما يكون بقصة، أو بسرد روائي بدائي غير مهذّب، لواقعة من الوقائع، غير أنه يخيل إليّ أن مغزى هذا الرسم الغامض واضح كلّ الوضوح: إنه أوّل توقيع على أول لوحة، إنه الطابع أو "الفرمة" التي خطها صاحبها في ركن قصيّ، أو هو الأثر الواجف، الوجل، أو الأثر الباقي الذي لا يمّحى، الدال على الإنسان الذي يتجلى لأوّل مرة في عمله الفني، ويستشعر، في الوقت نفسه، الخطر البالغ الذي يتهدده من جراء هذا التجلي الذي يقتلعه، ويقصيه نهائيّاً عن الحيوانية.

عن "المجلة الجديدة الفرنسية" (La Nouvelle Revue Française) عدد نوفمبر 1955

(*) تمّ اكتشاف كهف "لاسكو" Lascaux عام 1940 بالقرب من بلدة "مونتينياك" بمقاطعة "دوردوني" جنوب غربي فرنسا. وقد وجدت على جدرانه رسوم تمثل حيوانات ما زالت ألوانها محتفظة برونقها وبهائها؛ ويرجع تاريخ هذه الآثار إلى العصر الحجري.
(**) Georges Bataille : La peinture préhistorique : Lascaux ou la naissance de l’art (Edition : Skira)
(***) الليكورن Licorne: حيوان خرافي يمثل بجواد له قرن واحد وسط جبهته. ولقد استمرت أسطورته يتناقلها الإغريق ثم الرومان حتى بلغت العصور الوسطى، كما أنها قد عرفت عند العرب. وهو غير "وحيد القرن" أي الكركدن أو الكركند، وهذا حيوان، بعينه يعرف في مصر باسم "الخرتيت"
(****) يشير الكاتب هنا إلى رأي فلسفي لباسكال: "L’homme est un roseau pensant" ونقترح التصرف بترجمتها إلى "الإنسان ريشة تفكر". (المترجم)
(*****) من عجب أن تكون هذه الفكرة بالذات موضوع مقال "رأس ثور" المنشور في العدد الماضي من المجلة !

(******) الأب اليسوعي "تييار دي شاردان" Teilhard de Chardin مؤلف كتاب: "ظاهرة الإنسان" Le Phénomène humain الذي أثار نشره، بعد وفاته، ضجة في الأوساط الكنسية (المترجم)

المرجع: موريس بلانشو، مولد الفن، ترجمة محمد خليل فهمي، مجلة المجلة (المصرية)، العدد رقم 13، 01 يناير 1958، ص 51-60.

ملحق: جولة افتراضية في مغارة "لاسكو"