الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

في يدي العالم ميت شمعة قديمة مطفأة: يقظان التقي

"القدسي" أو "الملائكية الأخرى" وقصائد أخرى لجورج باطاي تقديم الشاعر برنار نويل، صدر في ترجمة الى العربية لمحمد بنيس عن دار "توبقال" المغربية للنشر.
هو الشعر باعتباره القمر الفلسفي أو الشمس الفلسفية، والثقافة بتناقضاتها الداخلية وأشكال تكوراتها الذاتية وتأويلاتها والباطن والظاهر والسابق والتالي من الأفكار والتحولات.
جورج باطاي قامة شعرية ونقدية شاهقة له موقعه الخاص والاستثنائي والصعب وهو ابن اللغة والأفكار البعيدة، شأنه شأن لغته بمنهجية أفكار مقارنة صعبة على الكثيرين وعلى أساتذة الشعر لتعددية مستوياتها ولشحناتها التي تتغذى ذاتياً وثقافياً ووجودياً وتلك الالة، أو الهيولى بطاقة هائلة التي تغلف الشعر وتتولى تغذيته.
هو شعر كثيف له تقنيته وتوجهاته كما له قيمة النسبية المادية على نحو التسريحات البعيدة في كنية اللغة وجسدها ولذائذها الحسية كمادية فكرية حسية وحيث لا يمكن وضع حدود بين الشاعر وقصيدته وفي مضامينها الفلسفية وأطرها الفكرية.
وصفه مارتن هايدغر بـ"أكبر العقول النيّرة في فرنسا" وهو من "زملاء الكار" والفلسفة الإيروسية الفرنسية وواحد من مؤسسي ما بعد الحداثة في تلك الصورة المقابلة بين قطبي الروحي.0الإيروسي الخاص) والجسدي (الجنسي) وفي العودة الى جذور الفلسفة القديمة الأفلاطونية وسكولائية القرون الوسطى (توما الاكويني) جورج باطاي لا يقف عند منظومة محددة من المحرمات التي تتناقض مع الطبيعة الهدامة والقاتلة لغة متحررة من نوع خاص تارة قفزة الى الموت وطوراً بخطوط متوازية فكرية أخرى متعددة الأثر في قراءات دستويفسكي وكيركيجورد وباسكال وأفلاطون وتعاليم تولستوي وفريديرك نيتشه وبوريس سوفارف (الشيوعية الديموقراطية) والمدرسة التطبيقية عند كوبرانسكي.
برنار نويل قدم للديوان بعنوان جدلي إشكالي "خير الشر"، مقدماً الشعر والاعتراض على الشعر، والشعر باعتباره ملوثاً وفاحشاً ومشوّهاً للتركيبات العادية، أي "كراهية الشعر" أو "المستحيل"، كطريقة مؤدية الى الشعر الحقيقي، أو العنف لتمزيق "الشعر الجميل". في كل ذلك يقول برنار نويل فيما يشبه المرافعة الكبرى عن شعر باطاي: إن ما يلوث الشعر، بالنسبة لباطاي، هو الشعر نفسه في الحدود التي تقبل فيها بأن يُرضي نفسه بجمالياته، ولذلك يرى باطاي أن يلوث هذا التلويث ليبلغ "الشعر الحقيقي". وتعاني اللغة هنا، بطبيعة الحال، من كونها لا تتوفر إلا على كلمة لتعيين المشاريع المتناقضة، لكنها بهذه المعاناة، وبشرط أن يكون المتكلم بها واعياً بالعجز، تصل الى حالة من الإخفاق حيث أنها وهي تمسك بالمستحيل، تستخرج منه طاقة مضاعفة... لحظة الحقيقة هذه تسمح بأن يتدفق القلق، وبأن يكشف بداخلنا عن تصدع فيه بتعدد المعنى واليقين.. ولا شك أنه تمنح لنا على هذه الحافة وحدها فرصة تأمل هذه الجملة لباطاي: "من لا يموت من أجل ألا يكون إلا إنساناً لن يكون أبداً إلا إنساناً".
ويضيف نويل: "إن الشعر المتمرد على الشعر الذي يكتبه باطاي مرتبط بالتجربة الداخلية ومن المحتمل ألا يكتب من دونها. فالصوفية المادية لباطاي تحتاج الى القبض على الحالات التي تستدعيها، الى القبض عليها في صيغ مضمومة بعضها الى بعض، مكثفة، مكسرة، لها بطبيعة الحال هيئة القصيدة، بين صوفية القصيدة بالمعنى المتناقض نفسه بين الشعر وكراهية الشعر، لا يستعير منها كلمة الصوفية إلا من أجل أن يشعره معناها... كل شيء يهتز عند حافة المادية، على حافة قبر، خلف عبارة الأكاذيب الممجدة(...) وبمجرد أن يدرك الكائن الخراب يختفي العري في الوقت نفسه التي تندثر الوسائل التي أدت الى انبثاقة"(...).
إذاً هي السلبية المدهشة والهيئة اللغوية باعتبارها الحدس بخراب يظل انتظاره سرياً حتى تنفصل عنه العديد من الأشياء، تضيع لتتواصل فيما بينها، أي نوعاً من الفوضى الفيزيائية التي تقود مصادفة الى تركيب حقيقي بالشعر حقيقي يتجاوز بمرجعيته الأولى وبفظاعة الى شعرية فاحشة وليس غريباً أن يكون الجنس أول التحقيقات السريالية من تلك الايروسية المتفجرة الى حدة السوية والظرفية.

العدمية
كل الاتجاهات في الشعر عالقة: الرمزية والتأويلية والعدمية العميقة والسريالية العالية الى ذلك المعنى الفلسفي والتأملي والميتافيزيقي والذهنية العقلانية في مروحة التناقضات والأوضاع الإنسانية الذاتية السابق فيها أقوى من التالي والتأويل أقوى من الظاهر، والصامت أبلغ من الناطق...
لعب شيق وشيطاني يمزج بين إدراك النزعة والأثر الإيروسي والبعد الصوفي على مساحة مستحيلة من الدلالات لصاحب تجربة معنى شعري ولصاحب نظرية في الشعر واعمق بالاحتكاك بالمستحيل.
تقرأ مجموعة كبيرة من القصائد "بدون رأس"، "هالة الموت"، "غياب الندم"، "كوريغيا"، "الصاعقة"، "الغسيل"، "قصائد شيقة"، "يتأوه الذئب"، "يا جمجمة"، "قصائد ملغاة"، "المذنب"، "التجربة الداخلية"، "القبر" وغيرها بكل ذلك العمق الخفي والسحيق وبما يفتح الغرفة الشعرية السوداء على مصراعيها وبجنون الدواخل والرغبات والمشتهيات في أكثر من بناء وقصيدة مرجعية. هي الكاتدرائية شعرية عالية ليست أحياناً في المباشر والمتناول الجاهز بأبجدية لغوي، ولغة غير جاهزة متحررة من الارتباطات الجمالية التقليدية لا بل هو خطر على الشعر نفسه، يمزق طرائقه ويلطخها شيء آخر تماماً، من نوع دمار التركيبات العادية وبفظاظة ولكن: "كل فعل ضد الشعر لا يمكن أن يحدث إلا داخل الشعر" وفي الحدود التي يرضي بها بجمالياته.

قيم مضادة
هو نيتشه الذي انتبه الى الوضع الذي كان يشغله ديونيزوس عند الإغريق، باعتباره ملهماً للعبقرية اليونانية في مجال الإبداع الفني، وهو الذي انتبه الى سيادة القيم الميتافيزيقية المضادة للحياة، وهي قيم استثمرتها المسيحية في العصور الوسطى وأتت الحداثة في تلك الرغبة العنيفة التي لا تعرف حدوداً في الوعي بالزمان الناتج عن إغراقه بالمتع مع فقدان وسائل اقتناعها، أعني الوقت الكافي لإشباع كل متعة على حدة وأمام التعدد اللامتناهي لهذه المتع.
هذا الانشقاق واضح في شعر باطاي في الماهية والجوهر الروحي في جهة والجسد المحتقر من جهة ثانية، وذلك الوعي الماهوي الذي يضيف شعوراً بالعزلة والقلق والانكفاء وأشياء العزلة. أي كارثة ميتافيزيقية في الفصل الحاد بين الأنا والآخر،
بين الذات والعالم، بين النفس والعقل، بين عالم المقدس وعالم "الطبيعة والحقيقة"، بين الذات المادية والموضوع، من "اللوغوس" Logos اليوناني القديم وصياغة القوانين العامة التي تجعل من اللغة ذلك المنطق بالكشف عن الحقيقة، هو الطريق الميتافيزيقي الذي سار فيه هايدغر ودريدا وطريق الجنون الذي سار فيه فوكو مقتفياً آثار باطاي في إشكالية المحظور والقُدسي ودائرة المقدس التي تتسع لتتقاطع مع ما هو مدنس كما تشع دائرة المدنس لتتداخل مع المقدس. ربما الشعر هو ذلك العقل الرمزي عند باطاي، ومضات الكشف الصوفي كي يحرر المقدس من الخطر، أي خطر كان من أولوية الذات، ومثالية المدلولات وجوهرية المعاني وتواطؤ المفهومات وحقيقة التصورات وذاتية الحدود وشفافية العلامات وعليّة التفسيرات وغائيتها.
وكما يقول الفيلسوف بوديارد: "يسهر الإغراء دائماً على تحطيم نظام القدسي بكل رمزيته وسلطته ولكن ليس ابدا في المكان الذي يفترض وجوده فيه".
فقد خرج باطاي ما بين ادراك النزعة الإيروسية والبعد الديني الى حدود جعل من الأول العامل الموضوعي للثاني وجعله يتموضع من القصيدة في منظومة القدسي كالقدر في مجالات متعددة تماماً كما كان التأويل عند ابن رشد وابن حزم والسهروردي هو انحراف النص عن صورته الحقيقية وذلك المجاز اللغوي باختلاف حال المسؤول وصفاء الفهم وتجاوز حدود اللغة نفسها.
تبقى الاشارة الى ترجمة محمد بنيس التي لم تأت هينة على الاطلاق في عمل جريء واستثنائي ومغامر احتاج الى رؤية صبورة وتوقفات واستشارات ومراجعات واحتياطي لغوي مرن ومركبا ايجابياً ومنصتاً جيداً وليبرالياً واعياً في فهم لغتين وجسدين، في ترجمة مستحيلة للكتابة مستحيلة تعامل معها بنيس بكل جدية ورصانة وإلمام بالهوامش والكلمات والعبارات.

مختارات

"أكذب
والكون يتسمّر
عند كذبي المعتوه
تموت الحقيقة
وأنا أصرخ فلتذكب
الحقيقة"

"أنا الميت الأعلى
الظل بلا هوادة
أنا أب
وقبر
السماء".

"أيها الشيء
كم أنت فارغٌ.
مني
أيها الشيء
هل ستكون فارغاً
منك".

ليس العدم
ليس العدم سوى نفسي
ليس الكون سوى قبري
والشمس ليست سوى الموت

عيناي الصاعقة العمياء
قلبي السماء
فيه تنفجر العاصفة

في داخلي
في أعماق هاوية
كون شاسع هو الموت
أقذف الدم
إنه الندى
السيف الذي به سأموت

من مثاب البشر
انظر السماء ذات النجوم!
لها شفافية الدموع
نشيجي فوق ركبتيك
سأرج الليل

ظل اجنحة فوق حقل
قلبي الطفل ضائع
أختي الضاحكة
أنت الموت
قلبي الحسير أنت الموت
بين ذراعي أنت الموت

شربنا أنت الموت
كالريح أنت الموت
كالصعقة الموت

الموت تضحك الموت هي الفرح
وحيدة أنت حياتي
نشيج ضائع
يفصلني عن الموت
وأراك من خلل الدموع
وأتنبأ بموتي

لو كنت لا أحب الموت
الألم
والرغبة فيك
يقتلاني

غيابك
ضيقك
يبعثان في نفسي الغثيان
زمن أحسبه لحب الموت
زمن لأعض يديه

عن نيتشه
تعبيراً عن حالة تعينها كنية هي (الشاحب)، أكتب هذه السطور بغرض التأمل:
أتصور موضوعاً للسحر،
الشعلة
لامعة وخفيفة
تتآكل،
تنعدم
وبهذه الطريقة تكشف عن الفراغ
عن هوية السحر،
هوية ما يسكر
والفراغ؛
أتصور
الفراغ
مطابقاً للشعلة
وأنا أحذف موضوعاً
يكشف عن شعلة
تسكر
وتضيء.

وأصرخ
خارجاً عن الطور
ماذا
لا أمل
وفي قلبي يختفي
جرذ ميت
يموت الجرد
انه مطارد

وفي يدي العالم ميت
شمعة قديمة مطفأة
قبل أن أنام
الداء موت العالم
أنا الداء
أنا موت العالم

الكائن اللامميز ليس شيئاً

قبعة
من اللبد
من الموت
الندى المتجمد
أخت
شهقة
مرحة

بياض
البحر
وشحوب الضوء
يخفيان عظام الميت
غياب
الموت
يضحك
2
جسد
الجريرة
قلب
هذا الهذيان
3
قوانين الطعم
تحاصر
قلعة اشبق
4
كحول
الشعر
هو الصمت
الميت

لمس حزن العالم
كنت أحلم بلمس حزن العالم
على حافة مستنقع غريب زال سحرها
كنت أحلم بماء ثقيل فيه قد أعثر
على الطرق التائهة لفمك العميق

أحسست في يدي بحيوان قذر
هارب ليلاً من غابة كريهة
ورأيت أنه كان الداء الذي كنت به تموت
وأنني أسميه حزن العالم

ضوء مجنون وميض صاعق
ضحك يحرر عريك الطويل
بهاء شاسع
كل ذلك أخيراً يضيئني

ورأيت المك مثل صدقة
تشع في الليل
بالشكل المضيء الطويل
وصيحة قبر لا نهايتك

عند الاحتضار أود لو أحتفظ
بالشيء الذي ستقدمين لي
أضمه في يدي المتجمدة
ثم بالشفتين ألوثه
بلعاب الاحتضار.
مكسو بعرقي
الذي من الدم
شبح اشعث للعجوز
أسنانك
ستجمدها الريح
عند ذاك سأقبلها
ستكونين ميتة

عمق ليلة
يكفن برمله

النجمة الكبرى المجزرة

المصدر: مختارات شعرية لجورج باطاي إلى العربية: في يدي العالم ميت شمعة قديمة مطفأة، يقظان التقي، جريدة المستقبل اللبنانية، الجمعة 09 تموز 2010، العدد 3706، ص20.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق