الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

مدام إدواردة: جورج باطاي

ترجمة جلال الحكماوي


في زاوية أحد الأزقة، فتنني قلق، قلق قذر ومخدر(ربما لكوني شاهدت فتاتين متسللتين على درج يفضي إلى مغسلة). ففي مثل هذه الحالات تنتابني رغبة حادة في أن أقيء نفسي. ربما كان علي أن أتعرى أو أعري الفتيات اللواتي اشتهيت: فدفء اللحوم العديمة الطعم قد يريحني. لكني في النهاية اخترت أقل الوسائل كلفة: طلبت في الكونتوار كاس يرنو رشفتها بسرعة، ثم تابعت الشرب من حانة لأخرى إلى أن ... انتهى الليل من إرخاء سدوله.
بدأتُ تيهي في الأزقة بين ملتقى "بواسونيير" وشارع "سان دوني". ختمت الوحدة والعتمة ثمالتي. كانت الليلة عارية في أزقة مقفرة. أردت أن أتعرى مثلها فخلعت سروالي ووضعته على ذراعي. وددت إيثاق طراوة الليل بين ساقيّ؛ ثمة حرية مدوخة تحملني. أحسست بنفسي كبيرا وأنا أمسك قضيبي المنتصب.
(استهلالي عسير. كان بإمكاني أن أتفاداه وأظل "وفيا لنفسي) مفضلا اللجوء إلى المداورة. ولكن الذي حصل هو أن هذه البداية تمت بدون إلتواءات سأتابع... بمشقة أكبر...).
منزعجا بسبب حركة ماء ليست تباني توجيهات نحو ملهى "لي كلاص" وجدته مضيئا. وبسط خلية من البنات. كانت مدام إدواردة عارية، تخرج لسانها من فرط الشهوة. وجدتها رائعة الجمال. اخترتها، فجلست بجانبي. وما كادت أنتهي من التصريح بطلباتي للنادل حتى جذبت إدواردة. استسلمت لي دون أن تقول شيئا: تلاحم فمانا في قبلة مريضة. كانت القاعة غاصة بالرجال والنساء. وكان ذلك حال الصحراء التي استطالت فيها اللعبة. وعندما دست يدها في لحمي، تهشمت فجأة كزجاج، وأنا ارتعد في تباني. أحسست بأن مدام إدواردة التي كانت يداي تحتوي ردفيها، بدورها ممزقة. أحسست بالرعب في عينيها اللتين غدتا جاحظتين ومقلوبتين، وفي الاختناق الطويل الذي عم حنجرتها.
تذكرت أنني كنت أرغب في أن أصير سافلا، أو أن ذلك كان، بالأحرى سيفرض نفسه بقوة. خمنت ضحكات من خلال صخب الأصوات والأضواء والدخان. لكن ما عاد يهمني أي شيء على الإطلاق. احتضنت إدواردة بين ذراعي، وهي تبتسم لي: في الحال شعرت. وأنا أرتعش، بصدمة جديدة بشيء كالصمت هوى علي من فوق وجمدني. حلقت في طيران ملائكة لا أجساد لها ولا رؤوس، مكونة من حفيف الأجنحة، لكن ذلك كان شيئا بسيطا. فقد أصابني الحزن وانتابني إحساس بالضياع كما يحس المرء في حضرة الله. كان ذلك مقيتا وأكثر جنونا من الثمالة. أحزنتني فكرة أن هذه العظمة التي غلفتني كانت ستحرمني من الملذات التي كنت أنوي اقتطافها رفقة إدواردة.
ألفيت نفسي كائنا عبثيا. لم نتبادل، أنا وإدواردة، ولو كلمة واحدة. أحسست بضيق كبير. قد أعجز عن وصف حالتي. ففي غمرة الصخب والأضواء، هوت علي الليلة بكامل ثقلها! أردت أن أزحزح الطاولة عن مكانها، أن أقلب كل شيء، لكنها كانت مختومة ومثبتة في الأرض. لايمكن لامرئ مثلي أن يتحمل ما هو أكثر سخرية من هذا. فقد تلاشى كل شيء: القاعة ومدام إدواردة. وحدها الليلة...
انتزعني من شرودي صوت إنساني حدا. كان صوت مادام إدواردة ماجنا مثل جسدها الرشيق.
قالت: أتريد أن ترى شفريه؟
استدرت نحوها ويداي متشبثتان بالطاولة. أشرعت ساقيها جيدا، وهي جالسة، كي ينفتح فرجها على مداه، ثم جذبت بكلتا يديها البشرة المحيطة به. هكذا نظر "شفرا" إدواردة إلي، مشعرين، وردين، مليئين حياة وكأنهما أخطبوط مقزز.
قلت لها هامسا:
- لماذا تفعلين هذا؟
- إنك ترى، أنا الله.
- أنا مجنون..
- لا، يجب أن تنظر: أنظر!
صار صوتها الأجش أكثر رقة. فقد تشبهت بطفلة صغيرة لتقول لي منهكة، وعلى محياها ابتسامة الهجر اللانهائية: كم لإلتذذت بذلك!
حافظت على وضعها المستفز، وأمرتني قائلة:
- قبل!
قلت معترضا:
- لكن.. أأمام الآخرين؟
- طبعا!
ارتعدت. نظرت إليها جادا. كانت تبتسم لي بعذوبة شديدة جعلتني أرتعش. وأخيرا أقعيت، ترنحت ووضعت شفتي على الجرح الحي. داعب فخذها العاري أذني: اعتقدت أنني أسمع هدير أمواج؛ نفس الصخب الذي ينتهي إلى أذننا عندما نضعها على القواقع الكبيرة. في عبثية الماخور وفي الفوضى التي كانت تحيط بي (اعتقدت أنني اختنقت، كنت محمر الوجه وأنضج عرقا). بقيت معلقا بغرابة، كأني وإياها قد تهنا أمام البحر في ليلة عاصفة.
سمعت صوتا آخر انبعث من امرأة قوية البنية جميلة، وذات لباس محترم:
- هيا يا أبنائي، نطق الصوت المترجل، يجب أن تصعدوا.
استلمت نائبتها نقودي، فوقفت وتبعت مداد إدواردة التي كان عريها الهادئ يعبر القاعة. لكن المرور وسط الطاولات المليئة عن آخرها بالبنات والزبناء، هذا الطقس ألفظ للسيدة الصاعدة، متبوعة بالرجل الذي سينكيها، لم يكن بالنسبة لي في تلك اللحظة سوى احتفالا مهلوسا: وقع كعبي مدام إدواردة على الأرض المبلطة، المشي المختال لهذا الجسد الطويل الماجن، الرائحة الحامضة التي تفوح من المرأة التي تلتذ وأنا أرشفها، هذا الجسد الأبيض..سبقني مدام إدواردة... فيما يشبه السحاب. كانت لا مبالاة للقاعة الصاخبة إزاء سعادة إدواردة ووقار خطواتها المتزن تقديسا ملكيا وحفلة مزهرة. كان الموت بنفسه مدعوا للحفل، لأن عري الماخور يستدعي سكين الجزار.

............................................................................................................
............................................................................................................
.........................................................كانت المرايا التي تغطي الجدران والسقف تضاعف الصورة الحيوانية للجماع. ولأقل حركة، كانت قلوبنا المتمرسة على الخواء تنشرع حيث يضيعها لا تناهي انعكاساتنا.
أخيرا، خدرتنا اللذة. ووقفنا ونظرنا إلى بعضينا بوقار. فتنتني مدام إدواردة. فأنا لم أر في حياتي امرأة أكثر جمالا وأشد عريا منها. ودون أن تغض طرفها عنى، أخذت من أحد الأدراج جوربين من الحرير الأبيض، ثم جلست على السرير وارتدتهما. وهنا أيضا أصابها مس من العراء، فأشرعت ساقيها وافتحت. قذف بنا عري جسدينا الحامض في عياء القلب نفسه. لبست "بوليرو" أبيض، وأخفت عريها تحت "الدومينو": غطت رأسها بالقلب، ثم أسدلت قناع ذئب من الدانتيلا على وجهها. تملصت مني قائلة:
-فلنخرج!
سألتها:
-لكن أتجرؤين على الخروج؟
أجابت بمرح:
-بسرعة يا فيفي، فأنت لست بقادر على الخروج عاريا؟
مدت لي ملابسي وساعدتني على ارتدائها. فعلت ذلك ونزوتها محافظة على تبادل ماكر بين لحمها ولحمي. نزلنا الدرج الضيق حيث صادفنا خادمة صغيرة. في العتمة المفاجئة للزقاق، اندهشت لكون إدواردة صارت تتهرب مني وهي متلفعة بالسواد. كانت تسرع في مشيها هربا مني: بدت في قناعها الذئبي كحيوان. لم يكن الجو باردا، ومع ذلك كنت أرتعش. كانت إدواردة غريبة، سماء مزهرة بالنجوم، خاوية وحمقاء، فوق رأسينا. ظننت أني أترنح، لكني كنت أمشي.
في تلك الساعة من الليل كان الزقاق مقفرا. وفجأة، ودون أن تنبس بكلمة، ركضت إدواردة بشراسة. ولما وصلت بوابة سان دوني، وقفت، أما أنا فلم أتحرك. انتظرتني تحت القوس وهي جامدة مثلي. كانت سوداء تماما، بسيطة ومقلقة كثقب. أدركت أنها لم تكن مسرورة في تلك اللحظة، وإنما كانت غائبة وراء اللباس الذي يحجبها. وحينذاك علمت، بعد أن تلاشت ثمالتي، أنها لم تكذب، وأنها كانت الله. كان لحضورها بساطة حجر مبهم: في قلب المدينة انتابني إحساس بأنني الليل في الجبل وسط عزلات ميتة.
شعرت بأنني تحررت منها. فقد كنت وحيدا أمام هذا الحجر الأسود. كنت أرتعش مستحضرا أمامي الأشياء الأشد اقفرارا في العالم. لم فلت مني رعب وضعيتي، بأي حال من الأحوال، تلك التي كان مظهرها يجمدني الآن، في اللحظة السابقة..تم التغيير كما ينزلق المرء. في دواخل مدام إدواردة كان الحداد -حداد بدون ألم ولا دمع-  يمرر صمتا فارغا.
ومع ذلك، فإني أردت أن أعرف هذه المرأة العارية جدا، في تلك اللحظة بالذات، والتي تناديني بمرح فيفي....عبرت، وقلقي ينصحني بالتوقف، لكني تقدمت.
انزلقت خرساء متراجعة نحو العمود الأيسر. صرت على بعد خطوتين من البوابة العظيمة. وما إن ولجت القوس لحجري حتى اختفى الدومينو في صمت. أصخت السمع حابسا أنفاسي. اندهشت لكوني قد فهمت ما جرى بهذه الدقة: لقد ركضت بقوة لتندفع تحت البوابة، وعندما توقفت، كانت معلقة في ما يشبه الغياب بعيدا فيما وراء كل الضحكات الممكنة. افتقدها بصري. ثمة عتمة جنائزية تتساقط من القبة. ومع أني لم أفكر في ذلك ولو للحظة واحدة، فقد عرفت أن زمن الاحتضار قد بدأ. قبلت بالأمر. رغبت في المعاناة والذهاب بعيدا، في المضي ولو أدى إلى الموت، إلى الفراغ نفسه. متلهفا لاكتشاف سرها، أردت أن أتيقن من أن الموت قد استكملها.
تحت القبة كنت متأوها مرعوبا، ضحكت قائلا:
-وحيد بين البشر من يعبر عدم هذا القوس!
ارتعدت لمجرد التفكير في أنه كان بإمكان إدواردة أن تهرب، أن تختفي إلى الأبد. أذعنت للفكرة وأنا أرتعد. لكن ما إن تخيلت ذلك حتى صرت مجنونا. انطلقت محاذيا العمود ثم بقيت أمام البوابة مكدودا. لقد اختفت، لكني لم أستطع تصديق ذلك، عندما رأيت في الجانب الآخر من الشارع الدومينو جامدا يتوارى في الظل، أصبحت على حافة اليأس. كانت إدواردة واقفة وغائبة بشكل واضح أمام سطحية مقهى فارغ. تقدمت نحوها. وبما أنها قادمة من عالم آخر، فإنها بدت طبعا مجنونة. بدت أقل من شبح، مجرد ضباب متأخر. تراجعت أمامي بهدوء إلى أن اصطدمت بطاولة على رصيف المقهى الفارغ. أيقظتها، فأجابت بصوت لا حياة فيه:
- أين أنا؟
أشرت يائسا إلى السماء الفارغة فوقفنا. نظرت. ظلت للحظة وراء القناع وعينان شاردتان في حقول من النجوم. أسندتها. كانت يداها تقبضان بعصبية مرضية على الدومينو المغلق. أخذت تتلوى بتشنج. كانت تتعذب. ظننت أنها كانت تبكي لكن الأمر كان كما لو كان العالم والقلق يختنقان بداخلها دون أن تقو على الإجهاش بالبكاء. استحوذ عليها تقزز غامض، تملصت مني. وفجأة، انطلقت. توقفت على الفور. نزعت الدومينو ثم رمت به بعيدا. وبحركة من مؤخرتها كشفت عن ردفيها آخذة وضعية شبقية، ثم عادت وارتمت علي. وكأنها محمولة على ريح وحشية. هوت على وجهي بضربات مسعورة. كانت تلكمني بقبضتيها المشدودتين في معركة عديمة المعنى.
تعثرت وسقطت أرضا، فركضت هاربة.
لم أكن قد وقفت على رجلي تماما. كنت ما زلت مقعيا لما استدارت نحوي. زعقت بصوت مبحوح ومستحيل. كانت تصرخ إلى السماء ويداها تصفقان الهواء من فرط الرعب. صرخت قائلة:
- إنني أختنق، لكنني أحتقرك أنت.. يا خشبة جهنم!
- انتهى الصوت بالانكسار في نوع من الحشرجة. مدت يديها لتخنقني، ثم انهارت. ومثل قطعة من دودة الأرض، تخبطت وقد استحوذت عليها تشنجات تنفسية. انحنيت عليها وأخرجت دانتيلا الذئب التي كانت قد دستها في حنجرتها وطفقت تمزقها بين أسنانها. عرتها فوضى حركاتها حتى العانة. لم يعد لعريها الآن أي معنى، لكنه صار في نفس الوقت إسراف المعنى متنكرا في لباس امرأة ميتة. والأكثر غرابة والأشد إثارة لقلق في آن، كان هو الصمت الذي ظلت إدواردة منزوية فيه: ولفرط ألمها لم يعد هناك أي تواصل ممكن. أما أنا فقد غرقت في هذا الطريق المسدود؛ في ليل القلب هذا الذي لم يكن أقل اقفرارا ولا أقل عداء من السماء الفارغة. فقد انكسرت الحياة بداخلي إلى حد الغثيان من جراء قفزات جسدها الشبيهة بقفزات سمكة، والسعار الحقير الذي تعبر عنه ملامح وجهها.
(أشرح لكم: لا يهم استعمال السخرية عندما أقول عن مدام إدواردة أنها الله. ولكن أن يكون الله مومسا في مبغى، وأن يكون أيضا امرأة حمقاء، فذلك ليس له معنى إذا ما حكمنا العقل. أما عند اللزوم، فسأكون سعيدا إزاء الضحك من حزني. فوحده يسمعني من يملك قلبا به جرح لا منديل؛ جرح من القوة بحيث لا أحد يريد أن يشفى منه...وهل هناك ثمة إنسان جريح يقبل أن "يموت" بجرح آخر غير هذا؟)

وفيما كنت في تلك الليلة راكعا قرب إدواردة، كان الوعي بالجرح اللايندمل ساطعا باردا كما هو الآن في هذه الساعة التي أجتب فيها. كان ألمه بداخلي كسهم، فالسهم، عندما يخترق القلب يكون مرفوقا بالموت. وفي انتظار العدم يكون للباقي معنى لفضلات التي تتوقف عندها حياتي دون جدوى. وأمام صمت على هذه الدرجة من السواد، حصل في يأسي شيء مثل القفزة. أعادتني التواءات إدواردة إلى رشدي وقذفت بي في جهة ما من الماوراء سوداء؛ ألقت بي هكذا دون رأفة كما نلقي بالضنين إلى الجلاد.
من يكن مآله العذاب يطول به الانتظار. وعندما يحل يوم عقابه ويؤتى به في واضحة النهار إلى مكان تعذيبه، ينصرف لمراقبة طقوس الاستعدادات وقلبه بنفطر رهبة. وفي الأفق المحدود الذي يحاصره يغدو ما من شيء، أو وجه، إلا ويحمل معنى ثقيلا يساهم في تشديد الخناق عليه مع أنه لم يعد بوسعه بتاتا أن يفلت منه.
عندما رأيت مدام إدواردة تتلوى على الأرض انتابتني حالة امتصاص مشابهة، لكن التغيير الذي اعتمل بداخلي لم يسجنني. فقد كان الأفق الذي وضعني أمامه عذاب مدام إدواردة يشبه موضوع قلق ما. فأنا في غمرة تمزقي وتحللي أحسن بقوة خارقة، شريطة أن أكره نفسي متى صرت سيئا.
فتح لي الانزلاق المدوخ الذي ضيعني حقلا من اللامبالاة، لم يعد المقام مقام قلق أو رغبة. فمن الاستحالة المطلقة للتراجع تتولد النشوة الميبسة للحمى.
(إذا لم يكن بد أن أتعرى هنا، فمن المؤسف أن ألعب بالكلمات وأستعير ثقل الجمل. وإذا كان لا أحد لا يستطيع أن يحدني في عري ما أقول مزيلا ثوب كلامي وشكله، فجهدي ضائع –الأمر أعرفه مسبقا- وأن أرجو فائدة مما أكتب. والبرق الذي يبهرني ويصعقني لن يعمي من دون شك إلا عيني. مدام إدواردة ليست شبحا في حلم. فقد بلل عرقها منديلي لدرجة أني تقت بدوري إلى قيادتها لما كانت تقودني. لهذا الكتاب سره، وعلي أن أخفيه. فهو أبعد من سائر الكلمات).
هدأت النوبة أخيرا. لكن سرعان ما عاودها التشنج، وإن لم يكن بنفس السعار. استعادت إدواردة نفسها العادي، فهدأت ملامحها ولم تعد شنيعة. تمددت قربها على الرصيف برهة وأنا مرهق، ثم غطيتها بملابسي. لم تكن ثقيلة، فارتأيت أن أحملها. كانت محطة سيارات الأجرة قريبة من الشارع، إلا المسافة كانت تتطلب بعض الوقت، فاضطررت للتوقف ثلاث مرات. أثناء ذلك استعادت إدواردة وعيها وعادت إلى الحياة. وعندما وصلنا حاولت أن تقف، إلا أنها ما كادت تخطو خطوة واحدة حتى ترنحت. أسندتها، وركبنا سيارة أجرة.
قالت بصوت ضعيف:
- ليس الآن... فلينتظر قليلا...
طلبت من السائق ألا يتحرك. كنت ميتا من التعب. ركبت واستلقيت بجانب إدواردة. بقينا –مدام إدواردة والسائق وأنا- جامدين في أماكننا وكأن السيارة تسير.
أخيرا قالت لي إدواردة:
- فليذهب إلى لـ"هال".
أمرت السائق فأدار محرك السيارة.
دلف بنا أزقة مظلمة. فكت إدواردة خيوط الدومينو المنزلق بحركات هادئة وبطيئة. نزعت قناع الذئب والبوليرو ثم خاطبت نفسها بصوت خفيض:
- أنا عارية كحيوان.
أوقفت السيارة بنقرة على الزجاج، ونزلت. اقتربت من السائق حتى كادت تلامسه وقالت له:
- أترى...إنني عارية...تعال....
ثم رفعت ساقها عاليا راغبة في أن يرى شق فرجها. حدق السائق في الحيوان بنظرة جامدة. ثم نزل من السيارة ببطء ودون أن ينبس بكلمة. ضمته إدواردة إليها وقبلته في فمه ويدها تعبث في تبانه. ثم قلعت سرواله وقالت:
-تعال ندخل السيارة.
جاء السائق وجلس إلى جانبي وإدواردة خلفه. طلعت فوقه بشهوانية، ثم أمسكت إحدى يديه ودستها بين فخذيها. مكثت جامدا أنظر إلى المشهد. كانت إدواردة تقوم بحركات بطيئة ماكرة تمنحها، على ما يبدو، لذة هائلة. وكان الآخر يستجيب لحركاتها أولا مانحا إياها جسده بكل ما أوتي من عنف. في هذه الحميمية ومن ذينك الكائنين وعريهما نشأ التحام كبر شيئا فشيئا إلى أن بلغ حد إسراف لا قلب له. انقلب السائق في لهاث سريع. أشعلت مصباح السيارة الداخلي. كانت إدواردة فوق السائق مشرعة فخديها من حواليه ورأسها مدلى وشعرها منسدل. وفيما أسندت رقبتها شاهدت أبيض عينيها. تمددت على اليد التي أسندتها فازداد توترها حدة وهيجانا. عاد بؤبؤا عينيها إلى محجريهما لحظة، فبدى أنها ركنت للهدوء. أبصرتني. عرفت من نظرتها أنها عادت من المستحيل. رأيت في عمقها حدة مدوخة. ويعود ذلك في الأصل إلى أن الوابل الذي غمرها قد انبثق في عينيها ففاضتا دمعا. كان الحب قد مات في عينيها، وانبجست منه برودة فجر؛ شفافية قرأت فيها الموت. كان كل شيء قد أنشد وانعقد في تلك النظرة الحالمة: الجسدان العاريان، الأصابع التي تفتح اللحم، قلقي، وذكرى الروال في الشفتين لما مصصت فرج مدام إدواردة في القاعة. كان كل شيء يساهم في هذا الانزلاق العمى نحو الموت.
لذة إدواردة حنفية ماء شروب ينساب القلب إلى أن ينفطر. لذتها امتدت بطريقة غريبة: لم تكف لجة عن تمجيد كيانها، وجعل عريها أكثر عريا وفحشها أكثر حشمة. وبما أن وجهها وجسدها كانا يشرقان متعة وهما منزويتين في هديلهما الصامت، فقد ارتسمت عليها ابتسامة منكسرة في هدأتها تلك.
رأتني في عمق جفافي. ومن أعماق أحزاني أحسست بعاصفة فرحها تنطلق. كان قلقي يعاكس اللذة التي أرغب فيها. فقد جعلتني لذة إدواردة الأليمة أحس كما لو هوت علي معجزة ثقيلة. استهونت يأسي وحماي. لكن ذلك هو كل ما أملكه. لم أكن أملك شيئا عدا أمجادي الداخلية التي تستجيب للنشوة القصوى التي كنت أدعوها من أعماق صمتي المطبق: "قلبي".
انتباتها رعشات أخيرة، بطيئة، ثم هدأ جسدها الذي ظل إلى ذلك الحين مرغبا ومزبدا: وفي قلب سيارة الأجرة ظل السائق، بعد الجماع، مستلقيا بشرود. كنت لم أسحب يدي من قفا إدواردة بعد. انحلت العقدة، فساعدتها على التمدد ومسحت عرقها فيما استسلمت لحركاتي بعينين مغمضتين، أطفأت ضوء السيارة الداخلي، فغفت كطفلة. اثقل النوم أجفانها (إدواردة، السائق وأنا).
هل أواصل؟ أردت ذلك لكنني سرعان ما هزأت به. فالمهم ليس هنا. ما يقهرني لحظة الكتابة هو: هل كل شيء عبثي؟ كلما فكرت في ذلك مرضت. فأنا أقوم في الصباح – مثلما تقوم ملايين الفتيات، والفتيان، والرضع، والعجزة – وقد رحل النوم عني إلى غير رجعة...فهل لنومنا، أنا وهؤلاء الملايين، من معنى؟ أله معنى باطن؟ طبعا باطن! لكن إذا لم يكن لأي شيء معنى، فإني سأحسن صنيعا. سأتراجع مستعينا بالزور والخداع. علي الاستسلام وبيع نفسي للامعنى: أرى أن الجلاد هو الذي يعذبني ويقتلني، وليس لي من بارقة أمل. لكن ترى لو كان هذا هو المعنى؟ لا أدري ذلك اليوم. وغدا؟ ما أدراني؟ لا يمكنني أن أتصور معنى لا يكون عذابي "أنا"، وهذا أعرفه جيدا. أما الآن فليس هناك سوى جنون هذا اللامعنى (بما أنه قد غذا فجأة "جديا") هو "المعنى" بالضبط (لا، ليس لهيغل أية علاقة بتمجيد امرأة حمقاء..) فليس لحياتي من معنى إلا إذا عانيت من نقصان المعنى؛ أن أكون مجنونا: وليفهم الفاهم، وليفهم الميت...هكذا فالوجود هنا، لا يدري لماذا ظل يرتعش من البريد...الفساحة والليل يغلفانه وهو هناك عنوة، لأجل ..."لا يعلم". لكن ماذا عن الله؟ ما القول فيه أيها السادة الفصحاء والمؤمنون؟ هل يكون الله على علم بذلك؟ لو كان الله يعلم لكان خنزيرا. يا إلهي (وأنا أتوسل إليه بقلبي في غمرة اليأس) امنحني الخلاص واعمهم عني! والحكاية هل أنهيها؟
انتهيت.

كنت أول من استفاق من النوم الذي تركنا قليلا في قعر سيارة الأجرة. أفقت مريضا والباقي مجرد سخرية وانتظار طويل للموت...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق