الثلاثاء، 15 أكتوبر، 2013

تهديد الشعر، قصائد: جورج باطاي


تقديم وترجمة: حمو بوشخار

لا توجد أرض يدخلها جورج باطاي ولا يعيد تشكيلها؛ أي بما يبنيه من انقلابات في بنياتها؛ في مجال الشعر بقيت تجربته بحسب ملاحظة بيرنار نويل، معزولة لعسر ولوج أدغالها، وبذلك كانت تحمل وجه خطر بالنسبة للشعر؛ وممارسة خطورتها آتية من تكسير العلاقات وعادات استعباد الشعر في سبيل القبض على قصيدة قد لا تتكئ على نفسها، ومن ثمّ شدّ الرحال إلى إقامة شعرية "حقيقية"، أي مبعثرة؛ والتفتيت بل والتمزيق الذي تنهض عليه كتابته الشعرية خاصة وأنها ذات صلة "بالفحش الفكري" وكذا رفض الأوهام التي تساعد على تحمّل الحياة؛ في مغامرته لم يستثن باطاي الشعر الذي رأى أنه مغرق في الشعر، ليدعو قارئه إلى قارة شعرية خالية من الشعر، غير معزولة عن بلاد الشبق التي افتتح درسها يوما بشكل لافت حين وضع لها حدودا في الحياة وفي الموت؛ وإذا أشعاره أخذت هيأة الضحية الواقعة أمامنا أقصد الكلمات كما وصف بذلك الشعر مرة.
ما يخوضه من ممارسة كتابية أهلته ليدخل باب التصوف ليس الفقير كما روجت له الطبعة الإسلامية المقفولة بالعقائد؛ إن تصوفه الحادي؛ لماذا؟ لأنه لا يسعى إلى أي خلاص؛ يقول "أرفض أن أكون سعيدا"، أي غير عابئ "بالأكاذيب العظيمة" كما تؤسس للإنسانية الحالية.
ما يمكن قراءته في أشعار باطاي لا يمكنه بأي حال أن يمثل أي اختزال لما جاء كدراسات، لذا كانت كل كتابة عنده تجديدا، لينفرد كلّ شيء عنده بمتعته الخاصة، التي يستحيل أن يفتقر فيها إلى أحد؛ من جملة التقاطعات أو الأصداء التي يتواتر ورودها في أعماله، عمدت الى اقتطاع بعض من أقواله، التي يمكن أن تضيء القصائد التي اختيرت هنا:
* "لم أشأ أن أعبر عن فكري ولكن لأساعد على الخروج من اللامتبين الذي تفكره بنفسك أنت" (نظرية الدين ص 145)
* "ما أن يخطر الشبق بذهن الإنسان، حتى يجد نفسه أمام صعوبة أساسية" (دموع إيروس ص91)
* "وأنا أكتب لك، أفهم عجز الكلمات، لكن في النهاية، بالرغم من عجزها، ستبلغك" (أمي ص83)
* "الجحيم هو الفكرة الضعيفة التي يهبنا الله بكل إرادة عن نفسه" (مدام إدواردا ص19)
* "الحب، الشعر، تحت شكل رومانسي ما، اعتبروا دروبا حيث نحاول الانفلات من العزلة، من مراكمة حياة في وقت غير عمومي أقلّ من مساره المرئي جدا" (التجربة الداخلية ص22)

القصائد:

المجرم

أيام زائدة متعة زائدة سماء زائدة
الأرض أكثر اتساعا حصان سريع
أصغي المياه وأبكي النهار

الأرض تدور في رموشي
الأحجار تعدو في عظامي
الأنيمون الزجاج البراق
يجلبون الانهدام

في كفن زهور
دمعة مشتعلة
تبشر بالنهار

غياب الرعد
امتداد أبدي لمياه باكية
وأنا الذبابة السعيدة
وأنا اليد المبتورة
أنا أبلل أفرشتي
وكنت الماضي
نجمة عمياء ميتة

كلب أصفر
انه هنا هو
الرعب
يصرخ كما بيضة
ويتقيأ قلبي
في غياب يد
أصرخ
أصرخ للسماء أني
لست أنا من يصرخ
في تمزق الرعد
لست أنا من يموت

إنها السماء المنجمة
السماء المنجمة تصرخ
السماء المنجمة تبكي
أهوي من النوم
وينسى الكون

ادفنوني في الشمس
ادفنوا تجارب حبي
ادفنوا امرأتي
عارية في الشمس
ادفنوا قبلاتي
ورغوتي البيضاء

الفراغ

نيران تجتاحنا
أسفل أقدامنا تكشر هوة
صمت حليب صقيع الجثة
تحيطنا بهالة

أنت المتبدلة
قدري كسر أسنانك
قلبك غصة
وأظافرك وجدوا الفراغ
تنطق كضحك
الرياح نصبت شعرك
القلق يعصر القلب
يسبق سخريتك

خلف رأسي يداك
على الموت وحد يشدون
قبلاتك الضاحكة لا تنفتح
إلا لفقري الجحيمي

أسفل كتاب حلوياتك المتسخ
حيث تتدلى الخفافيش
عريك السعيد
ليس سوى أكذوبة من غير دمع

صرختي تناديك في الصحراء
حيث لا ترغبين في المجيء
صرختي تناديك في الصحراء
حيث أحلامك ستنجز

فمك المختوم لفمي
ولسانك بين أسناني
الموت الضخم سيستقبلك
الليل الضخم سيهوي

إذن كان علي القيام بالفراغ
في رأسك المهجور
عريك سيكون غيابا
كفخذ دون جوارب

في انتظار الخراب
حيث الأنوار تخمد
سأكون لطيفا في قلبك
على غرار برد الموت

الفجر

ابصق الدم
انه الندى
الحسام الذي أموت به

من فوهة البئر
انظر للسماء المنجمة
لها شفافية الدموع

أجدك في النجمة
أجدك في الموت
أنت صقيع فمي
لديك رائحة ميتة

نهداك ينفتحان كالبيرة
ويضاحكاني من الماوراء
فخذاك الطويلان يجدفان
بطنك عار كغرغرة

جميلة أنت كالخوف
مجنونة أنت كميتة

نجمة نهضت
تكونين أكون الفراغ
نجمة نهضت
متألمة كالقلب

لامعة كشفرة
تصفرين انه الموت
النجمة تملك السماء
متألمة كشفرة

أعلم أنك لا ترغبين
لكن النجمة التي تنهض
قاطعة كما الموت
تستنفذ وتفتل القلب

أنا ملعون هذا هو أمي
لتكن هذه الليلة طويلة
ليلتي الطويلة من دون دموع

ليل شحيح من الحب
يا قلب محطم بالحجر
جحيم فمي الرمادي

أنت موت الدموع
لتكوني ملعونة
قلبي الملعون عيوني المريضة تفتش عنك

أنت الفراغ والرماد
عصفور دون رأس يخبط بجناحيه الليل
والكون مقام من أملك القليل

الكون هو قلبك المريض والذي لي
يخفق عند محاذاة الموت
في مقبرة الأمل

ألمي هو البهجة
ورماد النار

سن الكره
أنت ملعون
والملعون يدفع

ستدفع عن نصيب كرهك
الشمس الرهيبة ستعضني
من هو ملعون يعض السماء

معي أنا ستمزقين
قلبك المحبوب من الفزع
شخصك المشنوق من الضجر

صديق الشمس أنت
لا راحة لك
تعبك هو جنوني

زبل في الرأس
أنفجر أمقت السماء
من أنا كي أبصق العاريات
كم هو مر أن تكون ضخما
عيناي حلاليف ثخينة
قلبي مداد أسود
قلاوي شمس ميتة

النجوم الساقطة في خندق بلا أساس
أبكي ولساني يسيل
لا يهم كثيرا أن تكون الضخامة مدورة
وتتدحرج في أصوات
أرغب الموت وأستدعيها
إلى جزارة الأب القديس

موت سوداء أنت رغيفي
آكلك في القلب
الهلعة تكون لطيفتي
والجنون في يدي

أربط حبل المنتحر
بأسنان حصان ميت

رطوبة الماء
غضب الريح

انفجار ضحك نجمة
صبحية شمس جميلة

لا يوجد ما لم أحلمه
لا يوجد ما لم أصرخه

أكثر بعدا من دموع الموت
أكثر علوا من سقف السماء

في فضاء نهديك

شفافة من الرأس إلى القدمين
هشة كالفجر
القلب حطمته الريح

عند صلابة القلق
الليل الدامس كنيسة
حيث نذبح حلوفا

مرتعدة من الرأس إلى القدمين
هشة كما الموت
تحتضر أختي الكبيرة

أنت باردة كالأرض

ستعرف السعادة
وأنت ترمقها تموت

نومك وغيابك
يرافقون إلى القبر

أنت خفقات القلب
الذي أصغي له أسفل ضلوعي
ونفسي المعلق

صرخاتي على ركبتيك
أرتجف الليل

ظلال الأجنحة على حقل
قلب الطفل مفقود

أختي الضاحكة أنت الموت
القلب يتعثر أنت الموت
بين ذراعي أنت الموت

لقد شربنا أنت الموت
كالريح أنت الموت
كما الصعقة الموت

الموت تضحك الموت هي السعادة

وحدك أنت حياتي
صرخات مفقودة
تفصلني عن الموت
أراك عبر العبرات
وأخمن موتي

لذا لم أعشق الموت
الألم
ورغبتك أنت
قد يقتلونني

غيابك
بؤسك
يثيران غثياني
مناسبة لي كي أرغب في الموت
مناسبة لي لأقضم أصابعه

أن ترغب هو أن تحتضر
أن ترغب هو أن ترغب في الموت
القرود تعطن خلال موتها

طالما تمنيت نفسي ميتا
وأجدني لينا كفاية لهذا الأمر
طالما كنت متعبا

طالما أحبك كمحطم
أضحك مني حمار المداد
يزعق لنجوم السماء

عارية تنفجرين بضحكات
ضخمة أسفل كناش الحلويات
أزحف كما لا أكون كلية

أرغب موتا منك
أريد تدميري
في نزواتك المريضة

التجربة الداخلية
لا أرغب إطلاقا، أئن
لا أستطيع إطلاقا إيذاء حبسي.
أقول هذا بمرارة:
كلمات تخنقني، اتركوني، اهجروني،
بي ظمأ لشيء آخر.
أريد الموت
ليس قبول
تسلط الكلمات هذه،
تسلسل
دون فزع،
شبيه بفزع
صار مرغوبا؛
ليس بشيء
هذا الأنا الذي أكونه
وإلا
أهجر قبول
ما هو متحقق،
أكره
حياة الإله هذه،
أفتش عن خبل،
خبلي،
كي يحطم.
أحب المطر،
البرق، الوحل،
مساحة ممتدة من ماء،
عمق الأرض،
ولكن ليس أنا.
في عمق الأرض،
آ قبري،
خلصني من أنا،
لا أرغب إطلاقا
أكونه
شبح من دموع
آ الله الميت
عين مخزن
شارب رطب
سن وحيد
آ الله الميت
أنا
سأطاردك
بالكره
اللايحد
وٍسأموت من الكره
كسحابة تتبدد.

أضع عيشي...

أضع عيشي على حنكك
آخره يوشوش أذنك
وتَلـمَّظي صرتي ببطء
لسانك كالماء رطب

لسانك كجزارة أخضر
إنه أحمر كفخذ
رأسه طير يغرد
عيشي يصرخ لعابا

مؤخرتك إلهتي هي
تنفرج كفمك
أحبها كالسماء
أبجلها كالنار

أشرب في جرحك
أسرح رجليك العاريين
أفتحهما ككتاب
حيث أقرأ ما يقتلني

مقطع من قصيدة: القبر.

فيما وراء موتي
يوما
تدور الأرض في السماء

أكون ميتا
والظلمات
تتناوب دون كلل مع النهار

الكون مغلق عليّ
فيه أمكث أعمى
ممنوحا للعدم.

العدم ليس سواي
الكون ليس إلا سقطتي
الشمس ليست إلا الموت

عيناي هما البرق الأعمى
قلبي السماء
حيث العاصفة تضطرب

في ذاتي
في عمق الهوة
الكون الواسع هو الموت

أكون الحمى
الرغبة
أكون الظمأ

الفرحة التي تنزع كسوتها
والخمر الذي يضحك
لعدم حيازته أية كسوة

في قدح دجين
ليلة عيد
تسقط نجوم من السماء

أقندل الصاعقة في جرعات طويلة
سأضحك حد الانفجار
البرق في القلب.

G. Bataille : L’Archangélique et autres poèmes préface de Bernard Noël, Gallimard 2008.




المصدر: صدرت بعض هذه القصائد بمجلة كتابات معاصرة العدد 75 بتاريخ فيفري-مارس 2010 ومجمل القصائد والتقديم صدر بموقع مجلة أوغاريت الإلكترونية (الذي توقف عن العمل) بتاريخ مارس 2010، وأمام وجود بعض الاختلافات الطفيفة بين النصوص المنشورة في المصدر خيرنا اعتماد نص مجلة أوغاريت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق