الثلاثاء، 24 سبتمبر، 2013

قصائد في "كراهية الشعر": جورج باتاي

ترجمة: صباح زوين

جورج باتاي، لطالما قرأته مفكرا وفيلسوفا، فعرفته في أشهر كتبه أمثال "التجربة الداخلية" وهو بحث في الفكر والدين والوجود؛ وعرفته في كتاب مشهور آخر "الأدب والشرّ"، وهو بحث في الأدب؛ كما في كتاب آخر لا يقل شهرة وأهمية إلّا وهو "الإيروسية" حيث يتناول الكاتب أهمية الفكر الذي يدور حول وجودية الإيروسية. لكن له أيضا كتب مثيرة ونذكر "نظرية الدين" و"الكاهن س." و"مدرسة السوسيولوجيا".
لكني إكتشفته للتو شاعرا، وأنا "أبحر" في رفوف مكتبة المركز حيث أقيم (مدرسة المترجمين العالمين في الأدب) في آرل (جنوب فرنسا)؛ اكتشفت له كتاب/ ديوان شعر تحت عنوان "كراهية الشعر" (منشورات مينوي سنة 1974)، ولم أتوان عن تصفحه. ولأنه بدا لي جديرا بالقراءة، باشرت بترجمة بعض من قصائده علّها تعطي القارئ فكرة عن قدرة هذا المفكر الكبير في تناوله شتى أنواع الكتابة.
أعتبر باتاي لمدة طويلة كاتبا ملعونا، لكنه ظلّ للأسف ونسبيا، مجهولا. إلّا أن ذكرى مئوية ولادته (1897-1962) كانت مناسبة جيدة لإعادة إحياء فكره ولإكتشافه أو إعادة اكتشافه. انتقل باتاي من الكاثوليكية إلى الماركسية وكان صديق المثقفين والفنانين. بنى أعماله من سرد وتحليل تاريخي وإجتماعي كما نظريته الصوفية على مبدأ هوس الإنسان بالطبيعة. هذا الهوس، وعلى الرغم من القوانين التي من خلالها الإنسان ينظّم مجتمعه، يظهر في الموت والجنس (القطبان المتناقضان مع الحياة الإجتماعية)، وعليهما تقوم التابوات والممنوعات غالبا ما قدّموا باتاي ككاتب يصعب تصنيفه بسبب فكره المحيّر والمتناقض والمتعدد، وكان له الأثر الحاسم على معاصريه من الكتاب الذي أخذوا منه الكثير بينما لم يذكروه إلّا قليلا.


الأوريستيا
أيتها الأوريستيا
إنك ندى السماء
إنك مزمار الحياة
ليل العنكبوت
ليل الوساويس العديدة
لعبة الدموع القاسية
آه أيتها الشمس في صدري سيف الموت الطويل
إستريحي بمحاذاة عظامي
إستريحي فأنت البرق
إستريحي أيتها الأفعى
استرح أيها القلب
أنهر الحب تتلوّن بأحمر الدم
الرياح خربطت شعري الأشبه بشعر المجرمين
الحظ
أوه أيتها الآلهة الشاحبة
ضحكة البرق
الشمس اللامرئية
ترعد القلب
حظ عار
حظ بجواربه الطويلة البيضاء
حظ بقميصه المخرّمة.
*****
الخلاف
ألف بيت يقع
مائة ثمّ ألف ميت
عند نافذة الغمامة.
*****
البطن مبقور
الرأس مقطوع
انعكاس سحابات طويلة
صورة سماء هائلة.
*****
أعلى
من علو السماء القتم.
أعلى،
وفي الفتحة المجنونة
سحابة النور:
هالة الموت.
*****
إني متعطش إلى الدم
متعطش إلى الأرض المدماة
متعطش إلى السمك متعطش إلى الغضب
متعطش إلى القذارة متعطش إلى البرد.
*****
أنا
قلب متلهّف للضوء
بطن ضنين باللمسات
الشمس المزيّفة العيون المزيّفة
الكلمات تزوّدنا بالطاعون
الأرض تحب الأجياد الباردة.
*****
دموع من الجليد
التباس الرموش
شفاه امرأة ميّتة
أسنان لا تغتفر
غياب الحياة
عري الموت.
*****
من خلال الكذب، واللامبالاة، واصطكاك الأسنان، والسعادة الخرقاء، واليقين،
في قعر البئر، السن ضدّ سن الموت،
جزء طفيف ممّا... يعمي، وينبع من تراكم النفايات،
إني أهرب منه، هو يصرّ، محتقنا، في الجبين، خيط دم يمتزج بدموعي ويغسل فخذي،
جزء طفيف ولد من الغشّ، من البخل السفيه،
لا يقلّ لامبالاة إزاء الذات من علو السماء،
وطهارة الجلاد، طهارة الإنفجار الذي يقطع الصراخ.
*****
افتح في داخلي مسرحا
حيث يلعبون نوما مزيّفا
خدعة فارغة المعنى
عيب يجعلني أعرق
ما من أمل
الموت
الشمعة المطفأة.
*****
في الأثناء، اقرأ "ليالي تشرين"، وأنا مندهش لشعوري بهذا الفارق بين صراخي وحياتي. في الواقع، أنا مثل جيرار دو نرفال، أفرح بالكباريهات، بأشياء لا معنى لها (هل هذا أكثر إلتباسا؟). أذكر تيلي حبي لأهالي القرية، عند خروجهم من المطر، من الوحل، من البرد، ونساء البار الفحلات اللواتي يتحكمن بالقناني وبأنف خدم المزارع الكبار (وهم ثملون، منتعلين الأحذية الموحلة)؛ ليلا، كانت أغنيات الضواحي تبكي في الحناجر المبتذلة، وكان ثمّة حركة ذهاب وإياب للقصف والمجون، (......)، وضحكات البنات في الباحة. كنت سعيدا بالإستماع إلى حياتهم، وأنا أخربش في دفتري، نائما في غرفة وسخة (وباردة جدّا). لم أضجر على الإطلاق، بل كنت مسرورا بحرارة الصراخ، بسحر الأغاني: كانت كآبتهم تأخذ بتلابيبي.


سقف الهيكل
الشعور بمعركة حاسمة حيث ما من شيء قد يثنيني عنها الآن. إني أخاف بسبب يقيني بأني لن أتجنب على الإطلاق المعركة.
ألن يكون الجواب ربما: "إني أنسى السؤال؟"
*****
تهيأ لي البارحة أني تكلمت إلى مرآتي.
تهيأ لي وكأني رأيت بعيدا مثل وميض برق حيث القلق قادنا... شعور دخل جملتي تلقائيّا.
نسيت الجملة: رافقها تغيير طفيف، كمثل الحركة الصغيرة التي تقطع الوصال.
التقطت حركة نحو الوراء، وهي مخيُّبة مقدار ما يخيّبنا أيّ كائن خارق.
ليس ثمة شيء أكثر تجرّدا من العدوانية وأكثر تناقضا معها.
*****
كنت أشعر بما يشبه الندم بسبب عجزي الدائم عن التخلّي عن تأكيداتي.
وكأنّ ثمّة طغيان لا يُحتمل كان يزعجنا.
رغبة ما –تجعلنا نرتجف- في أنّ الحظّ القادم إلينا بغتة، إنما في حيرة الليل، الحظّ غير الملموس، الرغبة في أن نستطيع مع ذلك القبض عليه. وعلى الرغم من شدّة الرغبة، لم أستطع سوى التزام الصمت.
وحيدي في الليل، كنت أنكبّ على القراءة، رازح تحت هذا الشعور بالعجز.
*****
قرأت مسرحية بيرينيس كلّها (لم أكن قرأتها في حياتي بعد). فقط ثمّة جملة واحدة في المقدمة استوقفتني: "... هذا الحزن العظيم الذي فيه تكمن كلّ لذّة التراجيديا". قرأت، بالفرنسية، الغراب. فاستيقظت متأثرا بالعدوى. استيقظت من النوم وأخذت بعض الورق. أذكر السرعة والحماس اللذين اعترياني لبلوغ الطاولة: مع أني كنت هادئا.
فكتبت:
لقد تقدّم هو
عاصفة الرمل
لا أستطيع أن اقول
إنها في الليل
تقدمت كحائط مفتت
أو كزوبعة يكسوها شبح
تقول لي
أينك
كنت قد فقدتك
لكن أنا الذي لم أكن رأيتها
صرخت في البرد
من أنت أيّتها المجنونة
ولماذا
التظاهر بأنك لم تنسني
في هذه اللحظة
سمعت الأرض تهوي
ركضت
إجتزت
حقلا لانهائيّا
وقعت
الحقل وقع أيضا
البكاء اللانهائي والحقل وأنا
وقعنا
ليل بلا نجوم
فارغة وألف مرذة مطفأة
هكذا صرخة
هل وخزتك يوما
وسببت هذا الانهيار الطويل.
في الوقت ذاته، كان الحب يحرقني. كانت تحدّني الكلمات. كنت أستهلك ذاتي حبّا في الفراغ، كما في حضرة امرأة عارية ومشتهاة إنما صعبة المنال. دون التمكن حتى من التعبير عن أي رغبة.
غباوة. غير قادر على الذهاب إلى الفراش على الرغم من الساعة المتأخرة والتعب. كان يمكنني أن أقول عن ذاتي كما فعل كيركيغارد قبل مائة سنة: "رأسي فارغ مقدار فراغ مسرح قدّم للتو مسرحيّة".
بما أني كنت أنظر في الفراغ أمامي، لمسة عنيفة، مفرطة، جمعتني على الفور إلى هذا الفراغ.
كنت أرى هذا الفراغ ولم أكن أرى شيئا،
لكنّه، الفراغ، كان يغمرني.
كان جسدي متشنج. تقلصَ وكأنّه، من تلقاء ذاته، كانت قد اقتصرت مساحته على امتداد النقطة. بريق مستديم كان يتجه من تلك النقطة الداخلية نحو الفراغ. كنت أقطب وجهي وأضحك، كانت شفتاي مفتوحتين، وأسناني عارية.
*****
أرمي نفسي عند الموتى
الليل هو عريي
النجوم هي أسناني
أرمي نفسي عند الموتى
مرتديا بياض الشمس.
*****
الموت يسكن قلبي
وكأرملة صغيرة
يأخذ بالبكاء إنه جبان
إني خائف وقد أتقيأ
الأرملة تضحك حتى السماء
وووتمزّق الطيور.
*****
عند وفاتي
أسنان الخيول النجوم
تصهل ضحكا إني أعضّ
موت مهجور
مقبرة رطبة
شمس كتعاء
حفار القبور، ذو الأسنان كأسنان الموت،
يمحوني.
الملاك الذي يطير كالغراب
يصرخ
المجد لك
*****
إني فراغ التوابيت
والغياب منك
في الكون أجمع
أبواق الفرح
تدوّي بجنون
وبياض السماء ينفجر
رعد الموت
يملأ الكون
كثرة الفرح
تقلب الأظافر.
أتصوّر
في العمق اللانهائي
المساحة المهجورة
والمختلفة عن السماء التي أرى
فهي لم تعد تحتوي على تلك نقاط النور المترنحة
بل تحتوي على شلالات من اللهيب
الأكبر من السماء
الأكثر سطوعا من الفجر.
تجريد مبهم الشكل
خططته التصدعات
تراكم
لفراغات النسيان
من جهة الذات أنا
ومن جهة أخرى الشيء
هذا الكون مزيق وأشلاء المعلومات الميتة
حيث أرمي النفايات باكيا
العجز
الحوازيق
نشاز صراخ الأفكار
الشبيهة بنداء الديك
آه أيها العدم المفبرك
في مصنع التفاهة اللامتناهية
كصندوق من الأسنان المزيّفة
إني منحن على الصندوق
أنا رغبة
لديّ
رغبتي في التقيّؤ رغبة
آه الإنكسار
النشوة التي منها أنام
عندما أصرخ
أنت الذي هو والذي ستكونه
عندما لن أعود موجودا
أيها المجهول الأصمّ
مطرقة هائلة
تكسر رأسي.
*****
البريق
قمة السماء
الأرض
وأنا.
*****
قلبي يبصقك نجمة
قلق لا مثيل له

أسخر من نفسي لكنب بردان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق