السبت، 14 مايو، 2016

سوء حظ، غبار: جورج باتاي (المعجم النقدي)



ترجمة: آسية السخيري 


سوء حظ

ما من شكٍّ في أن كلَّ شيءٍ بخصوص سوء الحظِّ قد قيل ونُشر وطبِع وأن الجميعَ صرخوا وأنُّوا وشكو منه، إلا أن  سوءَ الحظ ليس أبدا هو الذي يحكي بنفسه، ولكن أيَّ إنسان سعيدٍ مهذارٍ بوسعه أن يتكلم باسمه؛ علاوةً
 by Niki De Saint Phalle
على ذلك، يمكننا هنا أن نعيب على المرء، بذلك المعنى الدنيءِ، أن يتحدَّث عن سوء الحظ كما لو أنه يتحدث عن الدماثةِ وأدبِ الأخلاق (وعيُ المرءِ المرتبكُ سينبِّهه إلى أنه إنسانٌ مدَّعٍ وفظٌّ). هنا يمكن أن نتحدث عن الحكيِ والكتابة والنشر والاشتكاءِ والصراخ بأن العيب، في واقع الأمر، هو سوءُ حظٍّ مروعٌ وأنه مغالاةٌ ماكرةٌ ومتعجرفةٌ في حدِّ ذاتِها الكئيبةِ وأنه، أيضا، في عباءته الحمراء يمكن أن يكون قاضياً أو حِبراً أو شرطياً أكثرَ منه قاتلاً؛ وهو، على كلِّ حال الشيءُ الذي يُغطِّي كلَّ جهازِ التعاسةِ المشؤومِ والمريبِ؛ ممَّا يعني، أيضا، بطبيعة الحالِ، أن سوءَ الحظ ليس سوى كلِّ ما يعني النفاقَ والخرسَ. علاوةً على ذلك، فإن الشوارعَ التي تروق لنا لها وجهٌ مأساويٌّ، ونحن، بأنفسنا، لا نمرُّ بها إلا بوجوه كلابٍ جرباءَ. أبعد من ذلك، لا أحد يمكنه أن يقول أين أو متى حتى يصير، بالتأكيد، أيُّ شيءٍ ممكنا أيْ أن اللغزَ الذي يطرحه سوءُ الحظِّ (الذي يحدُث مع مفتش الشرطة، مثلا، دون أن ندري لماذا) يجد نفسَه محلَّلاً وموطَّداً بكلِّ سفاهةٍ ووقاحةٍ في شكل عيبٍ. لذلك نقول في كثير من الأحيان: لنتركْ الحديث عن سوءِ الحظ جانباً...
أن يقع التعاملُ مع هذا الأمرِ أو غيرِه على أساس أنه مواربةٌ والتفافٌ، فذلك ليس مهمًّا: في الواقع، دون خوان سالفِ الزمانِ، المسمى كريبن، الشاب الجميل الذي بعدما قتل عشيقتَه بإطلاق النارِ عليها وعلى غريمه عشيقِها ثم حاول الانتحارَ بواسطة طلقةِ رصاصٍ ثالثةٍ من سلاحه، فقد على إثرها أنفَه (وأصبح، بالإضافة إلى ذلك أخرس)، وجد نفسَه متَّهَما من طرف القاضي بأكلِ الشكلاطة فمًا لفمٍ مع السيدةِ دولارش، تلك التي يُفترض أنه قتلها، ذات يوم، وقد استثار غضباً. وهكذا نجِد أنفسَنا تائهين في التخمين لمعرفة كيف يمكن لتلك الجملةِ الدنيئةِ الصادرةِ عن محكمةِ الجنايات أن تنشئ صورة الشرِّ والخلل بكلِّ ذلك التفاني والإخلاص.



غبار

لم يتصوَّر الرُّواةُ أن "الجميلة النائمة" سوف تستيقظ مغطَّاةً بطبقة سميكةٍ من الغبار؛ ولا خطرت على بالهم، أيضا، خيوطُ العنكبوتِ المشؤومةُ التي ستقطِّع شعرَها الأصهبَ عند أولِ حركةٍ تأتيها. مع ذلك، فإن طبقاتٍ كئيبةً من الغبار تجتاح، دون نهاية، المساكن الأرضيةَ وتلوِّثُها بانتظام وعلى حدٍّ سواءٍ: كما لو أن الأمرَ يتعلَّق بتهيئةِ الأقبيةِ والغرفِ العلويَّةِ والغرف القديمةِ المهجورةِ لاحتلالها من طرف الظواهرِ الغريبةِ والأشباحِ والكوائنِ الخفيَّة التي تُثمِلُها الرائحةُ النخرةُ للغبار القديمِ وتُغذِّيها.
عندما تتسلَّح الفتياتُ البديناتُ "الصالحاتُ لكل شيءٍ"، كلَّ صباحٍ، بمنفضة ريشٍ كبيرةٍ أو حتى بمكنسةٍ كهربائيةٍ، فلسن يجهلن تماما أنهن يساهمن، على حد سواء، كما العلماءِ الأكثر نجاعةً وإيجابيةً في طرد الأشباحِ المؤذيةِ التي تثير فيها النظافةُ والمنطقُ الغثيانَ. ذات يوم أو آخرَ، يبدو صحيحاً أنه من المرجح أن يبدأ الغبار، بما أنه يتمادى ويستمرُّ، في التغلب على الخادماتِ ويغزُو الخرائبَ الهائلةَ والمباني المهجورةَ الضخمةَ والمرافئَ المقفرةَ: وفي تلك الحقبة البعيدة، لن يظلَّ هناك شيءٌ ينقذِنا من الرعب الليليِّ الحالكِ الظلمةِ، الذي صرنا في ظل عدمه محاسِبِين كباراً جداً...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق